نحن نواجه حرباً شرسة من الغرب لفرض ثقافته وأيديولوجيته علينا تحت مصطلح العولمة والانفتاح، بعد أن أثبت الغزو الفكري عدم قدرته على إخضاعنا، فكان الغزو الثقافي البديل للسيطرة علينا، هذا ما أكد عليه د. أحمد هيكل.

والذي أشار إلى أنه لا مناص من ضرورة التمسك بالهوية العربية الإسلامية والاعتزاز بالإسلام. ود. هيكل واحد من الرجال الذين حباهم الله بهم العرب وأمة المسلمين جميعاً وقد خدم أمته ووطنه في كل موقع شغله. ـ من وجهة نظرك ما هو المفهوم الصحيح للتنوير والذي كررته كثيراً في أحاديثك؟ عندما ذكرت هذا اللفظ لم أقصد به ذلك المصطلح الغربي الذي شاع استخدامه في مصر بصورة تقليدية، إنما قصدت أن أحدث نوعاً من الانتقال بالمشاهدين والمستمعين من حالة الفراغ الثقافي والفكري التي يعيشونها إلى حالة من الثراء الفكري والمعرفة بطبائع الأمور.

. وأن أنقلهم أيضاً من حالة التشتت والضياع والتردد في أخذ القرارات إلى حالة من الثقة واليقين، كما أنني أردت توضيح مفهوم الأمور المتعلقة بالدين الإسلامي في سماحة واحترام لحرية العقائد الدينية وحرية الفكر والإبداع.

يصح أن نقول إن الإسلام ضد حرية العقائد الدينية، فالدين الإسلامي لايجبر أحدا بأن يعتنقه وكل من اعتنق الدين الإسلامي كان بإرادته.. وهناك العديد من الآيات التي تثبت أن الإسلام هو دين الحريات فقد قال المولى عزوجل في كتابه العزيز «لا إكراه في الدين» و«ليس عليك هداهم» بعد هذه الآيات لا يصح أن نزعم بأن الإسلام ضد العقائد الأخرى..

وهناك بعض الأحاديث الشريفة التي تحض على احترام غير المسلمين ما داموا مسالمين.. فالدين تسامح فالرسول «صلي الله عليه وسلم» في سيرته النبوية قد عاش مع المسيحيين، واستقبل «نصارى نجران» في المسجد .

وكان يتزاور مع غير المسلمين من يهود ومسيحيين، بل وكان يتناول الطعام عندهم مما يؤكد تسامح الدين الإسلامي مع العقائد الدينية الأخرى..أما بالنسبة لحرية الفكر والإبداع فالإسلام أقرها تماماً لأنه أعطى حرية التفكير والإبداع بشرط أن يكون هذا الإبداع متماشيا مع القيم الإسلامية فلا يكون منساق وراء الفجور والخروج عن القيم والمثل الأخلاقية الدينية.

الهوية العربية

ـ بعد ظهور العولمة والانفتاح على العالم بدأت هويتنا العربية تختفي فكيف نحافظ على تلك الهوية ضد الغزو الفكري الغربي؟

ـ نحن نواجه حربا شرسة من الغرب تحت مصطلح العولمة والانفتاح، وبعد أن فشل الغزو الفكري على إخضاعنا والسيطرة على الدول الإسلامية اتجه الغرب لإخضاعنا من خلال الغزو الثقافي لإخضاع الدول الإسلامية وكافة الدول النامية بما يتلاءم مع المصالح الغربية.

ولذلك فعلينا التمسك بهويتنا العربية الإسلامية والمحافظة على اللغة العربية وتحصينها ضد المصطلحات الدخيلة وتحفيز الأجيال القادمة على دراسة التراث الإسلامي والمحافظة عليه.

ـ وكيف نواجه التحديات الغربية في عصر العولمة؟

ـ من خلال أمرين أساسيين، الأول: تطوير التنمية الثقافية في مناخ من الحرية، أي ننفتح على العالم، وننتج إنتاجاً فكرياً وثقافياً عالي المستوى، يبعدنا عن الغزو الثقافي والالتفات نحو الوافد الأجنبي فطالما نحن أصحاب إنتاج فكري وثقافي جيد فلن نحتاج إلى الاقتباس الثقافي من الغرب والأمر الثاني هو إنشاء أجيال قادرة على التمسك بكل ما هو جيد لكي نحصن تلك الأجيال ضد الغزو ولكي تتأكد الشخصية العربية الإسلامية وترتبط بجذورها ارتباطاً قوياً حتى لا تتلاشى بمرور الوقت عليها.

ـ وماذا عن عصر الانفتاح والإنترنت الذي يهدد شبابنا العربي؟

ـ بالفعل يوجد غزو فكري وثقافي يتعرض له شبابنا من قبل وسائل الإعلام الغربية ولكن هناك حلا للسيطرة على هذا الغزو من خلال نتاج ثقافي رفيع المستوى سواء على شكل أفلام ومسلسلات ومسرحيات أو من خلال تشكيل ندوات ثقافية ودينية يحضرها كبار الأدباء والعلماء الذين لهم جاذبية ويتمتعون بفكر راق.. وإذا توصلنا لإنتاج فكر راقي فبالتأكيد سينصرف الناس عن الغزو الفكري الغربي.

ـ كيف ترى دور المفكر الإسلامي في ظل التحديات الغربية القائمة؟

ـ واجب العالم أو المفكر المسلم في أي مكان أن يقول الحق وأن يوجه كل جهده إلى أمرين أساسيين الأول بتنوير المسلمين وتوعيتهم بحقائق الدين الإسلامي من تسامح وحرية ورعاية حقوق الإنسان، والدفع بكل ما يحقق تقدماً للأمة الإسلامية، والأمر الثاني: أن يشاركوا بشكل إيجابي في صنع مجتمع صالح ينتج كل ما هو صالح..

ويتحقق ذلك بأن يكون العلماء المسلمون مثلاً أعلى في الاستقامة والاستشارة وأن يوجهوا ويدفعوا المجتمع إلى كل ما فيه من تطور وتقدم ورخاء ويحثوا الناس على العمل بالقيم الإسلامية بما فيها من احترام للمرأة والفنون وإقامة العدل والمساواة بين الناس وأن تكون الديمقراطية هي الصفة السائدة في مجتمعنا.

موقف واحد

ـ ما هو تفسيرك لحالة العداء للإسلام والمسلمين في الغرب والتي ارتفعت حدتها بعد أحداث 11 سبتمبر؟

ـ إن العداء للإسلام والعرب متأصل عند الغرب منذ فترة طويلة والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية كانت ترغب في السيطرة على المنطقة العربية سياسياً، واقتصادياً، ولكنها وجدت الحركة الإسلامية والإسلام حاجزاً في طريقها إزاء هذه السيطرة.. وكذلك العداء الحضاري والديني والثقافي بين الإسلام والغرب منذ الحملات الصليبية..

وقد وجدت وسائل الإعلام الصهيونية الفرصة بعد أحداث 11 سبتمبر للإساءة إلى العرب والمسلمين فاتهمت الإسلام بالإرهاب ودعت للقضاء على الإسلام الذي يهدد الغرب ومصالحهم.. ولذلك يجب علينا كدول إسلامية أن نتخذ موقفاً واحداً ينفي كل الاتهامات التي وجهت إلينا .

ـ وكيف نواجه هذا العداء الذي نتعرض له؟

ـ علينا أن نسعى من الآن لإصلاح صورة الإسلام التي شوهتها وسائل الإعلام الغربية، وذلك بأن نوضح للعالم الغربي سماحة الدين الإسلامي ومحافظته على حقوق الإنسان فالمسلمون مطالبون بأن يكونوا أكثر حذراً في الفترة المقبلة كما يجب على وسائل الإعلام العربية بكافة صورها القيام بالرد على كل الاتهامات الغربية وألا تقف مكتوفة الأيدي أمام وسائل الإعلام الصهيونية..

ومن جانب أخر، فعلى المسلمين إصلاح الأمور السياسية وأن يحترموا أنفسهم ويحسنوا صورتهم ويتجنبوا كل ما يسيء إلى دينهم.. والذي يتمثل في الصراعات الموجودة في بعض الأقطار العربية، لأن تلك الصراعات تستغلها أوربا وأميركا لتصوير الإسلام على أنه دين يدعو للعنف والقتل.

حملات إعلامية

ـ وما تقييمك لأداء المؤسسات الإعلامية العربية؟

ـ في الواقع، إن المؤسسات الإعلامية العربية ليس لها أي دور فعال أمام الحملات الإعلامية المعادية التي تتسم بالتنظيم والتقنية.. وإن الإعلام اليهودي يسعى لخلق حالة من العداء لتشويه صورة المسلمين انطلاقا من الوعي الغربي بخطر الإسلام على الحضارة الغربية..

ولا تزال مؤسساتنا الإعلامية الإسلامية تحتاج لجهود كبيرة للنهوض بدورها الحيوي في مواجهة الغزو الفكري والثقافي وتأكيد مضامين ومفاهيم الأمور الإسلامية الصحيحة في مواجهة الثقافات العربية حتى نستطيع تحقيق نتائج إيجابية وفعالة نسيطر بها على الوضع الحالي.

ـ ما هو ردك على من يهاجمون الأدب الإسلامي ويعتبرونه أدباً ذاتياً يعيش في انطواء على النفس والتغني بآلامها؟

ـ إن الأدب هو السبيل الذي يهدى الناس إلى مكارم الأخلاق وحسن العمل، وينهى عن كل ما هو سيئ وقبيح والأدب الإسلامي يرتكز حول الفضيلة والخير وليس مجرد أدب يتحدث عن العقيدة وأحكامها، ولا يجب النظر إليه على أنه أدب ذاتي أو مجرد أدب موضوعي يلجأ إلى سرد التاريخ ليثري مادته من خلاله..

بل علينا أن ننظر له على أنه أدب يجمع بين الاثنين، فهو له طبيعة خاصة تمزج بين عالم الذات والعالم الخارجي.. ومن ثم فالأديب الإسلامي عضو في المجتمع يجب أن ينطلق من التصورات الإسلامية.