فرضت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي أطاحت برموز الهيمنة والقوة الأميركية إطارات جديدة للتعامل بين المسلمين، والأميركيين، في عصر مليء بالاتهامات والشكوك، وهو ما يرصده الكاتب في كتابه متناولاً عدداً من موضوعات الساعة بعقلية نافذة إلي جوهر المشكلات والتوجهات في السياسة العالمية،
طارحاً عدداً من التصورات الفكرية المتميزة والمخالفة لكثير من الأفكار الشائعة، وهو على سبيل المثال يجاهر في الباب الأول منه بأن الدعوة إلي الإسلام أجدى بكثير من الدفاع عنه، كما يستعرض الكاتب مبرراته للتنبوء بأن أميركا قد تعتنق الإسلام عن قريب،
ويحلل المؤلف الأسباب التي باعدت بين السياسات الأميركية، وبين جذب أفئدة بني قومه، سواء في الموقف من الصورة المنطبعة عن المعونة الأميركية، وكما يلقي الضوء على الدور الذي يلعبه الدين في الانتخابات الرئاسية الأميركية.
ويقر المؤلف بمدى صعوبة الأخذ بفكرة العولمة في مجالات تقليدية، وقابلة للعالمية كالصحة والطب، ويناقش الجوانب المختلفة لهذه القضية، كما يستعرض الوجه الآخر لقضية التقاليد العربية الإسلامية، أو المحلية في سياق العولمة.
كما يبرر رأيه القائل بأن النمو الإسلامي في ماليزيا واندونيسيا كان مستهدفاً من الأزمة الاقتصادية، التي فرضت على الدول الآسيوية، في أخريات القرن العشرين، ويثني على نجاح الضمير الفرنسي و«الأوروبي» في التصدي للنزعة العنصرية التي تبناها «لوبان»، ودفعت به إلى مكانة متقدمة في انتخابات الرئاسة الفرنسية.
ويطرح المؤلف في كتابه رؤيته المستشرفة لمكانة المجتمعات الإسلامية في عصر التحالفات الجديدة، وهو يقدم نظرية متكاملة الأركان، يكثف فيها رؤيته القائلة بأن العالم المعاصر قد تحول من عصر الحرب الباردة إلى عصر الحرب المتجمدة، ويقدم المؤلف مجموعة من الأدلة على صحة نظريته يأتي في مقدمتها ما كرسته التفجيرات النووية في الهند وباكستان قرب نهاية القرن العشرين،
وانطلاقاً من هذه النظرية يحبذ المؤلف دعوة قومه في المجتمع الإسلامي على التوجه نحو الصين، وهو ينبه بصوت عال إلى حقيقة الهواجس التي يمكن لها أن تعوق فعالية هذا التوجه، وفي مقابل هذه الدعوة فإنه ينبه إلى حقيقة موقف الروس المعاصرين من التحالفات الجديدة،
وهو يجاهر بما لمسه في حوار له مع «يفجيني بريماكوف» رئيس الوزراء الروسي الأسبق، من أن الروس ليسوا على استعداد لإغضاب الولايات المتحدة الأميركية على أي مستوى من المستويات، ومع هذا فإن المؤلف حريص على أن يصور أزمة المجتمع الروسي المعاصر، مشخصاً بدقة جوهر الأزمات الثلاث التي تعصر هذا المجتمع، طارحاً في الوقت ذاته التصورات المنبئة عن إمكانية ذلك المجتمع على مثل هذه الصعوبات.
بعد هذا يشير المؤلف إلي بعض الإيجابيات التي بدأت تأخذ طريقها لتصبح من السمات المميزة للعالم العربي مع انتقال السلطة في خمس من دوله «الأردن - سوريا - المغرب - البحرين - قطر» من جيل الآباء إلى جيل الأبناء، ويبدو المؤلف مستبشراً بابتعاد زعامات العالم العربي عن تكريس مشروعية وجودها وسلطانها من خلال الإيديولوجيات، وبالتزام الزعامات بالجدية على مستويات مختلفة، وبتقبلها لمبدأ تقاسم الأدوار في التفوق العصري، وبعملها على بلورة الأمل في الانتظام.
مشكلات العالم الإسلامي
كما يستعرض المؤلف أفكاراً جديدة فيما يتعلق ببعض المشكلات، التي يواجهها العالم الإسلامي، وتمتد إليها أصابع النظام العالمي، أو أياديه، وهو يطرح رأيه القائل بغياب دور الدبلوماسية الإسلامية في قضية القدس، وخطورة هذا الغياب، كما يحلل العوامل الحاكمة للسياسة الأميركية تجاه العراق، والأنماط الفكرية، التي تساهم في تكوين القرار الأميركي بخوض الحرب ضد النظام العراقي.
وفي فصلين متتاليين يقدم المؤلف وجهة نظره في طبيعة الدور الأميركي في جنوب السودان، ومدى الفائدة التي جنتها الحكومة السودانية من إتاحتها الفرصة لهذا الدور، وينبه إلى المخاطر المحتملة من قيام حكومة دينية ذات توجه مذهبي أميركي في جنوب السودان، كما يدق جرس التنبيه إلى أن المساعدات الأميركية لجنوب السودان ستصب في اتجاهات غير تنموية.
ويناقش المؤلف طبيعة العلاقات الإسلامية - الإسلامية في عصر العولمة، بادئاً بالحديث عن اشكالية الدين والحرية في إيران في ظل نظام الثورة الإسلامية، ومثنياً بالحديث عن الجوانب التي طال اهمالها في العلاقات العربية التركية، والتجاهل المستمر للدور الذي يمكن للعرب أن يلعبوه في حل المشكلة الكردية،
كما يقدم نموذجاً واضح الحدود والملامح لبرنامج التعاون الطبي المشترك بين قطرين إسلاميين، ولا ينكر المؤلف حقيقة ما بدا لكثير من القراء والمثقفين، ومعهم بعض الحق من أن العولمة أصبحت سلاحاً في يد أميركا للضغط علي المسلمين وارهابهم، ومن سوء الحظ أن هذا الفهم ليس خاطئاً تماماً.
ولا ينكر المؤلف أيضاً، ما لاح لكثير من القراء والمثقفين من أن العولمة ستصبح كالأمم المتحدة، آلية تستطيع أميركا من خلالها تنفيذ أهدافها في مختلف أنحاء العالم، كذلك فإن المؤلف يشارك مواطنه الرأي في أن العولمة كانت توجهاً عالمياً انتهي بأن صب في مصلحة الأغنياء، من دول العالم، ويكفي للدلالة على هذا ما تضمنه تقرير البرلمان الألماني عن - عشر سنوات من العولمة -
وهو التقرير الذي عرب باسم «تقرير فون فايتسكر» الذي أوضح أن الفجوة بين فقراء العالم وأغنيائه أصبحت سبعين مرة بعد أن كانت لا تزيد على ثلاثين مرة قبل بدء تطبيق العولمة. ومع كل هذه الحقائق فإن المؤلف يقترح أن نفيد بأقصى ما يمكننا من العولمة، بدلاً من أن ننشغل في مناقشة جدواها، هو لا ينكر ضرورة مثل هذه المناقشة،
لكنه لا يراها معطلة لنا عن أن نفرض رغباتنا ومتطلباتنا، وأن نبدي آراءنا ومقترحاتنا، وهو على عادته يضرب مثلاً بسيطاً للمطالب التي يمكن لنا أن نسارع بطلبها من العولمة، فالمسلمون يستخدمون الفنادق، شأنهم شأن كل البشر،
ولكنهم يضطرون إلى حمل بوصلة تحدد اتجاه القبلة، على حين أن الأمر لا يكلف الفنادق شيئاً إذا هي راعت أن من بين مستخدميها مسلمون يصلون في اتجاه معين، ومن ثم فإن عليها أن تجعل من مقوماتها وضع ملصق يحدد اتجاه القبلة، في كل حجرة من الحجرات الفندقية في جميع أنحاء العالم.
لو أننا أصررنا على هذا المطلب البسيط الذي لا يكلف أي فندق إلا ما هو أقل من ربع دولار، في الحجرة الواحدة لحققنا لأنفسنا قبل أن نحقق لغيرنا إحساساً بطبيعة العولمة التي تراعي الجميع على أرض «الجميع» ولأصبح بوسعنا في مرحلة تالية أن نفيد على نحو اقتصادي وتجاري من قرار الأمم المتحدة في العام 1973 باعتبار اللغة العربية إحدى اللغات العالمية الرسمية، ولأصبحت كتالوجات كل شيء ناطقة باللغة العربية بالإضافة إلى اللغات التي نختارها.
إن صفحات هذا الكتاب تحمل رؤية فكرية أصلية لا تردد ما هو شائع، ولا ما هو جاهز أو مقولب، بل يستخدم المؤلف فكره وثقافته من أجل أن يقدم زاداً فكرياً متميزاً بالأصالة والمعاصرة في آن واحد.
القاهرة ـ حازم خالد: