لم تكن مساعي الخطاط العربي المعاصر من أجل مزاوجة الدلالة التجريديّة والجماليّة للخط العربي مع قيم التشكيل الفني المعاصر بالمسألة السهلة، بل كانت على الدوام، مهمة شاقة تتطلب جديّة في البحث، وقدرة كبير على التجريب الجسور والواعي بآنٍ معاً، ذلك لأن أي تجديد على هذا الصعيد، يجب ألا يقطع الصلة مع الإرث الجمالي للخط العربي.

وإنما السعي إلى الامتداد حضارياً مع الاستثمار المتقن لزخم الحرف العربي ومناخاته الفلسفيّة، وإدراك بنيته التجريديّة،عبر مناخ تكاملي، يستعيد أسئلة العقل، ويغذي موارد الحكمة العميقة في التراث العربي الإسلامي، ذلك لأن الحالة التي أفرزت الطابع الإنساني العميق للمعرفة العربيّة القديمة، قادرة على الخروج بمعالجات معاصرة وشجاعة، دون المرور بالتقليد والمحاكاة، بل بالبحث الجاد والمخلص عن موارد الوعي التجريدي والفكري الذي يليق بمثل هذا الإرث. بهذا الوضوح، يرسم الفنان والخطاط السوري (منير الشعراني) رؤيته لما يجب أن يلحظه المشتغل على الاتجاه الحروفي المعاصر، وبالتالي لما يجب أن يؤسس له، قبل خوض هذا الغمار، تحصيناً وضماناً لنجاح تجربته، وابتعادها عن المطبات الكثيرة التي يمكن أن تحرفها عن هدفها وتضيعها.

ويثير الشعراني جملة من المخاوف، عندما يُشير إلى أن بعض الخطاطين العرب والمسلمين، انجذب واستأنس لغواية الموروث، ونزعة الاتباع الموصوفة، في كتاب الخط، عبر الأزمنة الماضية، الأمر الذي أعاق عملية المراكمة الضرورية لأي ظاهرة إبداعيّة خاصة على المستوى الحروفي، فيما تقف الإنجازات الحاسوبيّة متمترسة خلف إنجازات مكثفة ومتلاحقة، كحاجز كبير يثبت الهم.

من هنا اعتمد هؤلاء في تجاربهم الحروفية على منطق يكمن في نفي النظرة القدسيّة للتراث الخطي ككيان جمالي لا زيادة لمستزيد فيه، ثم التوجه تحو تواصل معرفي لا يستجيب لإيقاع العالم والحياة فقط،.

بل يتجاوز ذلك إلى خلق أشكال جديدة على خلفية الإيقاع، والأمر لا يقتصر ـ برأي الشعراني ـ على البحث عن تناغمات الخط واللون والملمس، بقدر ما يتجاوزه إلى تحويرات تجعل المعنى أكثر إلفة، ويحيل غواية المألوف نحو يسر التداعي.

(سمير الصايغ) يرى أن تشكيل الخط العربي في فضاء اللوحة الحديثة، يُعبر عن رؤية كشفيّة إشراقيّة في معنى الدلالات والرموز، فالحرف رمز اتصال، والجملة مفتاح للتأمل والغوص في أسرار الكون، وفي الحرف تكمن وحدة هندسيّة، عليها يقوم فن الشرق، سواء خطاً، أو زخرفة، أو موسيقى، أو شعراً، أو حتى بلاغة. فالوحدة في الشعر هي الحركة والساكن، وفي الموسيقى زمت الصمت، وفي الزخرفة هذه الثنائيات بين المتوازيات:

بين الكبير والصغير، وبين المنحني وكل من المنكسر والمستقيم، لكن الخط العربي ليس مجرد أداة تعبير بصري عن معانٍ ودلالات معينة أو مختلفة أو متعددة.

أو ليس مجرد أداة تواصل لغوية على المستوى البصري، بل يحمل إمكاناته البصريّة والجماليّة العالية. من هنا فإن للوحة الحروفية مستقبلاً طالما كان خلفها بحثاً مستمراً، وهي قادرة على الوصول إلى مستويات الفنون الإبداعيّة، إذا ما قادتها حالة بحثيّة جادة وحيويّة، مرتكزة على موهبة، ودراية، وخبرة.

الحيوات التشكيليّة العربيّة والإسلاميّة، مليئة اليوم بالتجارب الحروفيّة الساعية للوصول إلى المنجز البصري المعاصر القادر على الإفصاح عن المكان والزمان القادم منهما، وعن الشخصية التي أبدعته. لكن هل كافة هذه التجارب تعي جيداً، المفردات التي تشتغل عليها؟ وتتقن عملية توظيفها؟

وتؤمن أساساً، بأهمية ما تشتغل عليه، أم تراها التحقت بركب الحروفيّة، تماشياً مع الحالة السائدة، أو هو نوع من الاختباء خلف الإصبع، والتغطية على الموهبة الهزيلة التي تملكها هذه الموهبة التي لم تفلح في إثبات وجودها في حقول التشكيل الأخرى، فركبت موجة الحروفيّة، تغطيةً وتمويهاً، على هزالها وضعفها، تماماً.

كما يحدث مع راكبي موجة التجريد والفن المفاهيمي والطليعي وما بعد الطليعي والمركب ... وغير ذلك من الصرعات التي ما زال الغرب يُصدرها إلينا، بغية تضييعنا وقذفنا بعيداً عن الفن الحقيقي وعن جذورنا بآنٍ معاً!!

د.محمود شاهين