يعتبر القارئ محمود على البنا من أصغر القراء التحاقاً بالإذاعة حيث التحق بها وعمره اثنان وعشرون عاماً، وهو يأتي في ذلك في المرتبة الثانية بعد الشيخ أبو العينين شعيشع الذي التحق بالإذاعة وهو في العشرين من عمره، ونظراً لإجادته التلاوة ولباقته ودماثة خلقه استطاع أن يصل إلى قلوب المحيطين به، وأن يكسب ود وصداقة العديد من الشخصيات المهمة والبارزة، وعلى رأسها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وأنور السادات..

بين أحضان الطبيعة الريفية لقرية «شبرا باص» بمحافظة المنوفية القريبة من القاهرة، ولد الشيخ محمود علي البنا عام 1926 لأب كريم طيب السيرة، لم يدخر جهداً ولم يبخل بشيء يساعد ابنه على حفظ وإجادة القرآن الكريم، إيماناً منه بأن أسهل الطرق وأقربها للوصول إلى الجنة هي طاعته تعالى وفي ابن صالح يدعو له.

ولما بلغ الغلام السادسة من عمره ألحقه والده بكتاب «الشيخ موسى» الذي توسم فيه خيراً لما رأى قدرة الغلام الفائقة على حفظ الآيات سريعاً وتجويدها ولم تلبث أن ظهرت علامات التفوق على الطفل الموهوب وخاصة في مخارج الألفاظ ودقته في النطق الصحيح الواضح، إضافة إلى ذكائه وأدبه الجم ودماثه خلقه في التعامل مع أقرانه ورقته وتناول كلمات القرآن مما جعل الشيخ موسى يخصه بمزيد من الاهتمام والعاطفة.

وفي المنزل أدرك والده أن الموهبة وحدها لا تكفي للتعامل مع القرآن الكريم وحفظه وتجويده.. فعمل الجميع على توفير كل الوسائل والسبل الكافية التي تؤهل الطفل للتمكن من آيات القرآن الكريم وتلاوته..

هذا الإدراك العميق ساعد الشيخ موسى على توجيه تلميذه التوجيه السليم وإسداء مزيد من النصح والإرشاد حتى أتم حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره، وعلى الصورة التي رسمها الفتى لنفسه طريق الهدوء والوقار والاعتداد الشديد بنفسه سار محمود علي البنا على الدرب، فابتعد عن أماكن اللهو واللعب واتجه كلية إلى حفظ القرآن وتلاوته ورسم لنفسه صورة أكبر من سنه حتى أطلق عليه أهل القرية لقب الشيخ وهو في الثانية عشرة من عمره. يقول الشيخ محمود علي البنا :

«وذهب والدي إلى مدينة شبين الكوم بالمنوفية ليقدم لي طلب التحاق بمعهد شبين الكوم الأزهري الديني ولكن أحد أصدقاء والدي أشار عليه بالذهاب بي إلى معهد المنشاوي بطنطا بمحافظة الغربية والذي يقبل حفظه القرآن مباشرة..

وبالفعل ذهب والدي إلى طنطا والتحقت بالمعهد وكنت صغيراً جداً.. والذي شجعني على البقاء في طنطا.. التفاف الناس حولي للاستماع إلى صوتي وأنا أقلد الشيخ محمد رفعت..

وفي ذلك الوقت وجهت إلي كثير من الدعوات للقراءة في عديد من المناسبات أكثرها في المسجد الأحمدي وكان الناس يلقبونني بالطفل المعجزة لأنني كنت ناجحاً جداً في تقليد أصحاب المدارس الشهيرة في قراءات القرآن الكريم وعندما كان الناس يطلبون مني تقليد الشيخ الشعشاعي والشيخ محمد سلامة والشيخ محمد السعودي.. لم أتردد بل أكون في منتهى السعادة ومع زيادة التشجيع كان أدائي يزداد قوة وإبداعاً.

وفي الخامسة عشرة من عمره استطاع أن يكّون الشيخ محمود علي البنا شخصيته الخاصة به وصار له لون مميز وأداء فريد لم ينافسه فيه أحد.

واستطاع في وقت وجيز أن يتسلل إلى قلوب مستمعيه ويأمرهم بأدائه الفريد وصوته الملائكي الجميل. مسجد الأحمدي.. القاهرة في معهد المنشاوي اشتهر الطالب محمود البنا بين الطلاب بجمال الصوت وقوة الأداء مما جعل كل مشايخ المعهد يحبون الاستماع إليه، ونصحه الشيخ حسن أحد أساتذة المعهد آنذاك بالذهاب إلى المعهد الأحمدي «بطنطا» حتى يتعلم القراءات على يد الشيخ محمد سلام الذي كان حريصاً على انتقاء من يلتحق بهذا المعهد ولا يختار الا البارزين المميزين أصحاب الصوت الجميل والأداء المتمكن..

ولهذا يعقد لهم اختباراً في الحفظ وتجويد الحروف وسلامة النطق ومعرفة مخارج الألفاظ والدقة في الأداء وكانت هذه الشروط تتوافر في شخص محمود علي البنا ولذلك قبله الشيخ محمد سلامة بسهولة ورحب به ضمن تلاميذه وقربه إلى مجالسه وحلقات دروسه.. وفي المسجد الأحمدي مكث الشيخ البنا ما يقرب من عامين تلقى خلالهما أصول علم القراءات العشر وأصول حفظ القرآن وتجويده.

وعندما بلغ الثامنة عشرة انتقل الشيخ البنا إلى القاهرة عام 1945 وأكمل علومه في الأزهر حتى يكون قريباً من عمالقة القرآن يستمع إليهم يسجل ما يعجبه من أدائهم في قراءة القرآن وتلاوته ثم يعود إلى منزله ليسترجع ما درسه من أساتذة القراءة فينفذه وخاصة أسلوب الشيخ محمد سلامة الذي شده إليه حسن صوته وأداؤه العذب في قراءة القرآن.

وعلى يد الشيخ محمد رفعت والشيخ الصيفي والشيخ الشعشاعي تلقى الشيخ محمود علي البنا دروسه وتعرف على كبار الموظفين والأعيان المهتمين بسماع عمالقة القرآن فتعلقوا به لجمال صوته وإمكانياته العالية، بالإضافة لتمتعه بشخصية محببة إلى قلوب الناس جميعاً وذكائه الواضح.

وفي أكبر مساجد حي شبرا بالقاهرة تعرف على مئات من المهتمين بالاستماع لصوته وانهالت عليه كثير من الدعوات لإحياء المآتم وعدد من المناسبات الدينية التي كان يقيمها كبار التجار بالقاهرة، كما تعرف بالشيخ درويش الحريري أحد النابغين في تدريس المقامات الموسيقية، وساعد الشيخ البنا على اتقان المقامات الموسيقية وتطويعها للتلاوة،.

ومن الشيخ الحريري تعلم الشيخ محمود البنا فن التواشيح وأتقنها ليتمكن من توظيف ما لديه من مواهب وإمكانيات في تلاوة القرآن وتسخيرها للتلاوة. وفي ذات مرة أثناء تلاوة الشيخ في أحد المساجد سمعه أحد أعضاء جمعية الشبان المسلمين فأعجب به وعرفه على رئيس الجمعية الذي دعاه للقراءة في الجمعية كل يوم ثلاثاء .

حيث يعقد مجلس يحضره الشيخ دراز والشيخ السنهوري والشيخ شلتوت والشيخ الباقوري، وأثناء الاحتفال بالعام الهجري الجديد الذي أقيم بدار الأوبرا وحضره عدد كبير من رجال الدين والدولة بينهم علي ماهر باشا رئيس الوزراء ومحمد بك قاسم مدير الإذاعة وهناك قام صالح باشا بتقديمه لقراءة قرآن الافتتاح وكان على الهواء فاعترض مدير الحفل حيث لم يكن من المعتمدين في الإذاعة.

ولكن الشيخ صالح توسط لدى مدير الإذاعة فوافق وتقدم الشيخ للقراءة وبعد انتهائه تأثر الحاضرون كثيراً وطلبوا منه إعادة التلاوة من جديد كما تلقى عبارات التشجيع والتحية والتقدير من كل الحاضرين وطلبوا من قاسم بك مدير الإذاعة أن يقدمه للإذاعة كي يلتحق بها.. وبالفعل حدد له يوماً للاختبار أمام لجنة اختبار القراء بالإذاعة وكان النجاح بجدارة وعمره اثنان وعشرون عاماً فقط وكان أصغر القراء التحاقاً بالإذاعة بعد الشيخ أبو العينين شعيشع الذي التحق بالإذاعة وهو في العشرين من عمره. يقول الشيخ البنا :

«كانت أول تلاوة لي بالإذاعة في آخر شهر ديسمبر عام 1948 وكانت القراءة على الهواء مباشرة.. وكان دوري في التلاوة يأتي كل ستة شهور لوجود عمالقة القرآن إلى أن حدث إضراب من الشيوخ لتفاوت أجورهم فكان الشيخ رفعت يتقاضي 12 جنيهاً في القراءة الواحدة.

والشيخ الشعشاعي أيضاً أما باقي القراء فكانوا يتقاضون ما بين 6 : 8 جنيهات وسمعوا أن المسؤولين اتفقوا مع الشيخ مصطفي إسماعيل على القراءة مقابل 16 جنيهاً فامتنعوا عن القراءة في الإذاعة، مما أعطاني فرصة للظهور بصورة واضحة وصلت إلى ثلاث قراءات في الأسبوع حتى ظن الناس أنني على صلة قرابة بمدير الإذاعة».

ومن هنا بدأت رحلة الانتشار والشهرة للشيخ محمود علي البنا وكان لالتحاقه وقراءته بالإذاعة أثر طيب على أسرة الشيخ محمود البنا وقرية «شبرا باص» التي ينتمي إليها، ومع سطوع نجم الشيخ التي ملأت الافاق ووصلت شهرته إلى كبار رجال الدولة الذين وجهوا له الدعوة بإحياء مأتم والد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عام 1965، كما امتدت شهرته كذلك عبر الزمان والمكان فاختير ليكون قارئاً لأكبر وأشهر وأهم المساجد بجمهورية مصر العربية وخاصة المساجد التي تزورها وفود إسلامية من مختلف دول العالم .

وأشهرها مسجد الملك بالقاهرة ومسجد الإمام الرفاعي بحي القلعة ومسجد العارف بالله السيد البدوي بمدينة طنطا، وكذلك مسجد الإمام الحسين في القاهرة. إلى دول العالم.. ونظراً للروح الاجتماعية العالية للشيخ محمود البنا ولباقته ودماثة أخلاقه استطاع أن يصل إلى قلوب المحيطين به..

واستطاع أن يكسب ود وصداقة كثير من الشخصيات المهمة والبارزة في الدول وعلى رأسها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وكذلك الرئيس المصري محمد أنور السادات، بالإضافة للعديد من الملوك والرؤساء في كل أقطار العالم العربي والإسلامي، فطوال أربعين عاماً متتالية لم يترك قارة من قارات الدنيا إلا وسافر إليها وخاصة في شهر رمضان المبارك .

كما هيأه الله ليكون سبباً في دخول الكثيرين إلى دين الإسلام أفواجاً مهللين ومسبحين بحمد الله.. اختاره الأزهر الشريف لحضور كثير من المؤتمرات الإسلامية كما أرسلته وزارة الأوقاف إلى كثير من المسابقات العالمية كمحكم وقاض قرآني، كما وصلت إليه كثير من الدعوات التي أرسلها إليه الملوك والرؤساء والشيوخ العرب لإحياء العديد من المناسبات الدينية العامة والخاصة فكان خير ممثل وقارئ وسفير للقرآن الكريم.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: