(ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون)، الآية: (الزمر 29) المثل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى في هذه الآية جاء لتوضيح حال من يعبد آلهة شتى فتوزعته الأهواء، وبين من يعبد الله الواحد، فلم تتناوشه الاضطرابات ولم تذهب به الخلافات هنا وهناك، فقد جاء على صورة نقلت المعنوي إلى حسي وصيغ في قالب يهدي الحيران،
ويرشد الضال، ولا يدع العاقل إلا أن يسلم بصحة عقيدة الإسلام، ولنتدبر المثل ولننظر إليه بثاقب الفكر ولنتأمل المقارنة التي وردت في هذا المثل، كيف كانت مقنعة؟ لقد أراد الله عز وجل أن يقرب إليهم عقيدة الوحدانية ويحببها إليهم، فضرب المثل برجل من المماليك يملكه عدد من الشركاء وبين رجل مملوك يملكه واحد، هل يستويان؟
لا يستويان أبداً، فالأول مشتت الفكر بين مالكيه، فهذا يأمره بكذا والآخر ينهاه عن كذا، فلا يدري من يطيع؟ ولمن يستجيب؟ وأيهم ينفذ أمره، فكان تائهاً واستولت عليه الحيرة، وتسلطت عليه الأهواء فهو في اضطراب دائم، ومهما حاول إرضاءهم فلن يفلح، فلكل واحد منهم مشرب واتجاه، فهو موضع تنازعهم ومشاكستهم.
أما الثاني: فهو ملك لرجل واحد، وليس هناك عديد من الشركاء فيتنازعونه بينهم، وإنما يسمع كلام مالكه، فيعرف كيف يرضيه، وكيف ينفذ أمره، لأنه لا يسمع كلاماً متضارباً، ولا توجيهات مختلفة، ولا أوامر متباينة، أي هذين أسعد حالاً؟ أهذا الذي عاش فريسة لأهواء أصحابه، فلم يعرف كيف يرضيهم؟ ولا على أيهم يعتمد؟
أم هذا الذي خلص لواحد، فلم يكن عرضة للشقاق والخلاف والتشتت والتمزق بين الأهواء؟ لا شك أن الثاني الذي خلص لواحد سعيد، هادئ البال، مطمئن الفؤاد، كذلك الذي عبدالله الواحد القهار، أما الكافر فكان مثله كمثل هذا المملوك الذي تنازعته أهواء مالكيه، فكانت حياته شقاء وتعاسة
هذا التصوير القرآني الذي يقرب العقيدة الإسلامية في صورة حسية، ويجعل المعقول محسوساً، ويعطي لها من التصوير المشاهد والمتعارف بينهم يجعل المشرك بالله يحس بمدى صفاء العقيدة الإسلامية ونقائها. ويقول الطبري عقب آية المثل: مثل الله مثلاً للكافر بالله الذي يعبد آلهة شتى، ويطيع جماعة من الشياطين، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، فقد ضرب الله مثلاً لهذا الكافر رجلاً فيه شركاء يقول هو بين جماعة مالكين (متشاكسين)، يعني مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم من قولهم، رجل شكس إذا كان سيئ الخلق وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه وملكه فيه،
ورجلاً سلماً لرجل، يعني المؤمن الموحد الذي أخلص عبادته لله لا يعبد غيره ولا يدين لشيء سواه بالربوبية. وأضاف الطبري إلى هذه الرواية روايات أخرى، منها رواية عن مجاهد يفسر فيها قوله تعالى:(ورجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل) على القراءة الأخرى قال: هذا مثل إله الباطل وإله الحق.
ومنها رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: الشركاء المتشاكسون، الرجل الذي يعبد آلهة شتى، كل قوم يعبدون إلهاً يرضونه ويكفرون بما سواه من الآلهة، فضرب الله هذا المثل لهم، وضرب لنفسه مثلاً يقول رجل سلم لرجل يقول يعبدون إلهاً واحداً لا يختلفون فيه، وبعد أن فرغ من هذه الروايات المدعمة بأسانيدها شرح لنا أسلوب المقارنة التي تطلب الحكم وتمييز الغث من السمين والباطل من الحق، فقال عقب قوله تعالى:هل يستويان مثلاً؟
يقول تعالى ذكره: هل يستوي مثل هذا الذي يخدم جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فيه لخدمته مع منازعته شركاءه فيه، والذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه، يقول: فأي هذين أحسن حالاً، وأروح جسماً، وأقل تعباً ونصباً؟
ويقول القرطبي موضحاً معنى قوله تعالى:(هل يستويان مثلاً)؟ هذا الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا جره واستخدمه، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يرضى واحداً منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعباً أو على هدى مستقيم.
أما الألوسي فإنه يوضح وجه البلاغة في هذه العبارة فيقول عقبها: إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفي له على أبلغ وجه وأكده، وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور، بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أن أحدهما في لوم وعناء والآخر في راحة بال ورضاء.
وقد ورد التمييز هنا بالمفرد ولم يأت بالمثنى أو الجمع، فقال مثلاً: ولم يقل مثلين، وإن كانت هناك قراءة جوزت مثلين، كما أشار إلى هذا الزمخشري بقوله: «وقريء: مثلين» وبين أنه بناء على هذه القراءة يكون الضمير في يستويان للمثلين لأن التقدير مثل رجل ومثل رجل، والمعنى هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية كما تقول كفى بهما رجلين،
ومع هذا التخريج الذي خرجه الزمخشري إلا أنه أجاب عن سر التمييز بالمفرد، فقال: وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس، وقد أجاب الطبري عن هذا التساؤل بقوله: لأنهما كلاهما ضربا مثلاً واحداً، فجرى المثل بالتوحيد كما قال جل ثناؤه: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)، إذ كان معناهما واحداً في الآية.
ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً قال: (الحمد لله)، أي على إقامة الحجة عليهم. ولابن القيم كلام نفيس في هذا المثل الذي اعتبره من أبلغ الأمثال، فقد قال: هذا مثل ضربه الله للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل المتشاكس: الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بمن يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، والموحد لما كان يعبد الله وحده،
فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه، مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال: فإن الخالص لمالك واحد، يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه، ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.
لقد جاء ختام آية المثل بتجريد هؤلاء المشركين عن العلم، ولو كان عندكم مسكة من عقل، أو لمحة من فهم لما عبدوا غير الله، وهذا التصوير الذي تضمنه المثل لا يترك مندوحة لأي متنصل، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ إن المثل كان موقظاً للفكر، ومنبهاً للعقل، وماذا بعد أن يصور لهم حال المشرك بصورة هذا العبد الذي اشترك في ملكيته جماعة، وبين العبد الخالص لمالكه؟ لا شك أن الأول موزع القلب مشتت الفكر، لا يقدر على إرضاء أحد من مالكيه، أما الثاني فليس مشتتاً ولا موزعاً بين هذا وذاك. إن المثل يجعل من الأعمى بصيراً، ومن الأصم سميعاً، ومن الغافل يقظاً فقد كان حجة ملزمة، وهداية راشدة إلى عقيدة الوحدانية.