من من المسلمين المهتمين بالعلم وبثقافة الإسلام وعقائده لم يسمع عن رسالة التوحيد التي وضعها الأستاذ الامام لتكون بديلا لما كان سائدا بالأوساط الأزهرية والمعاهد الدينية المنتشرة على ربوع مصر؟! فضلا عن ان يكون قد قرأها أو درسها؟!

لقد كانت دروس التوحيد في الأزهر تعتمد على نظام المتون، يتلقاها الصغير ثم فيما بعد يدرس شرحاً لهذا المتن، ثم إذا كبر درس حاشية على هذا الشرح، ثم شرحا للحاشية وهكذا يغرق الأزهرى بين قال وقيل واختلف فلان واتفق فلان وكل ذلك على حساب الأصل الذي هو المتن وعادة ما يكون نوعاً من الرجز أو الكلام المنظوم، والمحكوم بالضرورات الشعرية.!

فقام الأستاذ الامام بوضع هذه الرسالة حفاظا على طاقة شباب الإسلام من الغرق في غياهب التشوهات الفكرية السائدة في أفئدة الأزهريين قبله، والعودة بهم إلى دراسة العلم مباشرة، فوجد فيها المصلحون ضالتهم المنشودة، فقال محمد فريد وجدي عنها:

(ان هذه الرسالة لا يمكن شرحها إلا في عدة مجلدات، لأنها تشير الى أكبر معارك الفلسفة والفلاسفة في الأديان مع تقرير ما يوافق الإسلام منها، ورد ما يخالفه من غير تصريح بأن هنالك مباحث وشبهات مشكلة.!

ووصفها تلميذه السيد محمد رشيد رضا بقوله:

ان علم العقائد في مصر قد ارتقى بنشرها، وانه لا يقدرها حق قدرها إلا من ت

دبر القرآن وفهمه، وأحاط بالسيرة النبوية، ونشأة الإسلام وتاريخه ووقف على ما طرأ عليه من البدع والأهواء، وما وصل إليه علم الكلام من الارتقاء.!

وقد طبعت هذه الرسالة عدة طبعات مرارا وتكرارا، وترجمت إلى لغات عديدة لينتفع بها المسلمون في أصقاع الأرض في معاهدهم الدينية، خصوصا في الهند والباكستان والدول الواقعة جنوب شرق آسيا والدول العربية والافريقية، والجاليات الإسلامية بأوروبا والأميركيتين.!

ولد الأستاذ الامام عام 1849 في ختام عهد محمد علي باشا، كانت أسرته تقيم بمديرية البحيرة وبينما كان أبوه ينحدر نسبه إلى أصول تركية، كانت امه من أسرة تنحدر من أسرة عربية يتصل نسبها إلى سيدنا عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين، وهذه الأسرة كان موطنها قريبا من طنطا غربية.!

ولانتشار الظلم على والد الإمام الذي يعمل فلاحا، بتحصيل الضرائب والرسوم المتكررة هرب من بلده إلى الغربية، و،لد له الابن ـ محمد ـ وهو في هذه القرية القريبة من طنطا، وبعد سنوات عاد الوالد إلى محلة نصر، واشترى قطعة أرض، ونشأ ولده نشأة صبيان القرى الصغيرة.

وبرع في السباحة والفروسية ولعب السلاح، وأحب حياة الريف، وأعمال الفلاحة وأخلاقها من التعاون والمروءة والنجدة، مع ما تميز به من أخلاق مثل الحياء والتحفظ والوقار والمؤانسة.

ويظهر لنا ان إدراكه لحاجات العامة إدراكا مشربا بالعطف، ورغبته الملحة في انهاض الأمة من كبوتها وجمودها وتأخرها، إنما هما من ثمرات حياته الريفية الأولى، عندما كان يستمع أحاديث الناس وحكاواهم عن عهد محمد علي وأعوانه.!

ولما بلغ العاشرة من عمره حفظ القرآن كله في عامين، وأوفد إلى الجامع الأحمدي بطنطا ليتم تجويد القرآن ويتعلم متون التوحيد وقواعد العربية ويتفهم اسرارها لكنه فشل لفساد نظام التعليم الذي يفرض عليه حفظ متن الاجرومية وشرح متن الكفراوي عليها، فهرب عند أخواله شهوراً، ولما عثر عليه أخوه لأمه وأعاده إلى المسجد الاحمدي.

ولكن دون فائدة، لأنه أحس أن المناخ العلمي بالمعهد الأحمدي لا يناسبه، فجمع ملابسه وعاد إلى القرية يلاحظ زراعته ويتزوج وهو في السادسة عشرة من عمره، ولكن شاءت إرادة الله ان يلتقي برجل حكيم يدعى الشيخ درويش خضر، كان قد سبقت له أسفار إلى ليبيا وتصوف وتعلم على الطريقة السنوسية .

واستطاع هذا الشيخ ان يعالج نفور الإمام من العلم ويعود به إلى الطلب، وبعودته إلى معهده بطنطا، يتم ما عليه، ثم يلتحق بالجامع الأزهر ويتلقى مقرراته المعهودة، ولا يكتفي بها، وإنما يتلقى المنطق والرياضيات والهندسة على أيدي أساتذة غير أساتذة الأزهر، حتى إذا جاء جمال الدين الأفغاني إلى مصر.

وكان شخصية أسطورية غامرة بالعلوم والفنون والحكمة والتصوف والآداب، جوادا دائما يسخو بغير حد في بذل كنوز علمه وحكمته، مما جعل الإمام يتعلق بهذه الشخصية ويفيد منها أعظم إفادة، وتتطور شخصيته وتتفجر طاقاتها الكامنة لتنفتح على العلم بأجمعه سواء أكان من مقررات الأزهر أم من غير مقرراته.

ومن هنا أوغرت عليه صدور الجامدين، فحينما آن أوان التقدم للحصول على العالمية، كانت اللجنة المعقودة لاختباره قد عقدت العزم على عدم منحه ما يستحقه من درجة علمية، بل على إسقاطه، لولا ان تدخل الشيخ العباس شيخ الأزهر، فأعطوه العالمية من الدرجة الثانية، ليبتعد عن الأزهر، لكنه عاد إليه مدرسا، وطالبا رغما عنهم، إذ فرضه علمه وحكمته وعطاؤه.!

ورأى محمد عبده في نفسه موهبة التعليم حين قال: (إنما خلقت لكي أكون معلما).. وإن العلم الذي تلقاه على يد جمال الدين، والرغبة الملحة التي كانت تتأجج في صدره، لخدمة دينه ووطنه، كان معهما باعث آخر دفعه إلى الانكباب على تعليم الناس عقب فراغه من دور التحصيل، فأقبل في حماس على التدريس في الأزهر بعد حصوله على العالمية،.

وقرأ فيه دروساً في مواضيع كثيرة متنوعة، وأخذ في درس العقيدة درسا جديدا على أساس البراهين القطعية التي أخذها عن جمال الدين. وكان إلى جانب هذا يقرأ في بيته دروساً في الأخلاق والسياسة لطائفة من الطلاب الذين أقبلوا عليه، فقرأ لهم كتاب (تهذيب الأخلاق) لابن مسكويه، وهو كتاب في الأخلاق له قيمة عظيمة في الشرق إلى يومنا هذا وحاضرهم أيضا في علم السياسة معتمدا على كتاب: «كيزو في تاريخ التمدن» وكان قد ترجم إلى العربية.

ثم عين مدرسا للتاريخ بدار العلوم، فبدأ بتدريس مقدمة ابن خلدون، في أسباب نهوض الأمم وسقوطها، وأصول الحضارة والعمران البشري، والاجتماعي الإنساني، ثم يعقب عليها بآرائه الخاصة في الشؤون السياسية والاجتماعية، تلك الآراء، التي كان يستقيها من المصنفات الحديثة ثم يطبق هذا كله، بطريقة عملية على أمر أمته ثم عين مع ذلك في المدرسة الخديوية للألسن لتدريس العلوم العربية، فجمع بين العمل فيها والعمل في دار العلوم مع التدريس بالأزهر..

وفي الحق لقد كان يسابق الزمن ويعمل بكل جد لتحقيق خطته، التي أعلن عنها أمام أستاذه وهي: «إيجاد ناتبة من المصريين، يحيى اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وتقوم عوج الحكومة».!

وبعد ان تولى توفيق بعد إسماعيل، رجع عن وعوده الإصلاحية، وانقلب على الشعب، ونفى جمال الدين، وأقال محمد عبده من التدريس في دار العلوم والألسن، وأمره بالتزام قريته (محله نصر) لا يغادرها، غير ان ناظر النظار ـ رياض باشا ـ حينما عاد من سفرة كان بها، أصدر له قراراً بتعيينه رئيسا لتحرير جريدة الوقائع المصرية .

هي الجريدة الرسمية، وأعطى مع ذلك صلاحيات بحق المراقبة على الجرائد الوطنية والأجنبية التي تصدر في القطر المصري، لكن الحركة العرابية كانت أخذت سيرها حثيثا، وقدمت مطالبها إلى الخديوي توفيق وبعد شد وجذب سيقت إليهم المناصب التي رأوا أنها تحقق لهم مرادهم، حتى أصبح عرابي ناظراً للحربية.

وأقبلت جيوش انجلترا فضربت الإسكندرية لكنها هزمت في كفر الدوار، ثم هزمته في التل الكبير بعد الخيانة من العملاء، ثم تقرر نفيه ومن معه، وكان الشيخ محمد عبده خصما للثورة العسكرية وان كان الروح المحركة للحركة العقلية التجديدية، ومن أجل ذلك حكم عليه أيضا بالنفي ثلاث سنين، بعد ان حبس ثلاثة أشهر، وكان نفيه إلى بيروت.!

وقضى سنة في بيروت، ثم لحق بجمال الدين في باريس، ليشتركا معا في تأسيس جمعية العروة الوثقى ويصدران جريدة (العروة الوثقى) ثم اذا تعطلت الجريدة افترق الصديقان، فذهب جمال الدين إلى روسيا وذهب محمد عبده إلى تونس، ومنها رحل متنكرا إلى عدة أقطار يدعو الناس إلى الاستيقاظ والنهوض من الوهدة القاتلة التي غرقوا فيها.!

وعاد إلى بيروت، ليلقي دروساً في التفسير في مسجدين من مساجد المدينة، ويقوم بالتدريس في المدرسة السلطانية، في التوحيد والفقه والتاريخ الإسلامي والمنطق والمعاني والإنشاء، ثم ترجم رسالة الرد على الدهريين ـ أي دعاة الطبيعة ـ التي وضعها أستاذه جمال الدين الأفغاني بالفارسية، وفي الأدب درس لطلابه كتاب (نهج البلاغة) في الأدب.

وكانت دروس التوحيد، هي التي جمعت مادتها فيما بعد وسميت (رسالة التوحيد) المشهورة، وهي التي بعثت الارتياح في نفوس الرافضين لأسلوب الأزهر في تدريس العلوم والمناهج، وخلال هذه الفترة اقترن به السيد محمد رشيد رضا.. والذي أشار عليه بتدوين هذه الرسالة، وتدوين دروس التفسير التي كان يلقيها لتكون مرجعا لكل من يتعرض للتفسير.!

وفي هذه الاثناء وبعد ان اقام نحو ثلاثة أعوام ونصف في بيروت، صدر عفو الخديوي توفيق باشا فعاد في أواخر سنة 1888 ميلادية.. وكان قد تزوج في بيروت للمرة الثانية بعد وفاة زوجته الأولى.!

ولكن الخديوي رفض ان يعود إلى التعليم سواء في الألسن أو دار العلوم أو الأزهر خوفا من أثر دعوته وأثر تعاليمه في التربية والتوجيه، فعينه قاضيا في المحاكم الابتدائية الأهلية ببنها ثم الزقازيق ثم القاهرة ثم ألحق مستشاراً بمحكمة الاستئناف في القاهرة.!

وفي عمله في القضاء كان يلتزم العدل وروحه لا نصوص القوانين المعمول بها يومئذ، ولا يقضي إلا بما يراه من أجل هذا العدل ومراد الشرع، وكان يقول: (ان القانون وضع من أجل العدل، وليس العدل من أجل القانون) ومن طرائف أحكامه، انه وقع عقوبة على شاهد الزور لم ينص عليها القانون، فتم تعديل القانون وأقرت العقوبة.!

ولما توفى الخديوي توفيق وجاء ابنه عباس حلمي، تقدم إليه الامام بمذكرة لإصلاح الأزهر وافق عليها وشكل مجلسا لإدارة الأزهر، ومثل الحكومة الإمام محمد عبده والشيخ عبدالكريم سلمان، ثم عين مفتيا للديار المصرية، مما مكنه من تحقيق مراده من إصلاح الأزهر، فأصلح الأحوال قبل إصلاح المناهج، .

حيث كانت ظروف المدرسين والطلاب المعيشية غاية في السوء والانحطاط فعمل على الارتفاع والرقي بهما معا، فرفع مرتبات المدرسين وضاعفها مرات، كما حسن ظروف الدارسين وأجرى عليهم وسائل الإعاشة النظيفة، ثم اتجه إلى المناهج لتصير على يديه أقرب إلى مراده لكن المعارضين له ولخططه لم ييأسوا من الهجوم عليه، وألبوا عليه النفوس وأشعلوا الحرائق، لكنه لم يثنه شيء عن بلوغ ما يريد.!