شأن مسجد النور، فإن جامع المغفرة في منطقة الشويهين ينتمي إلى مجموعة مساجد حديثة في الشارقة، وصفناها بأنها تستعيد إلى الذاكرة مجموعة مساجد كورنيش جدة، لتأمل الروابط المعمارية المشتركة بين المجموعتين، وأيضاً لدراسة الفروق والاختلافات التي لا يمكن التقليل منها بحال.

في هذه المجموعة الفريدة من مساجد الشارقة يبدو لنا بوضوح التجلي، الذي لا موضع لإنكاره، لفلسفة إنشائية ـ جمالية تنحاز بقوة وبإصرار إلي صميم التقاليد الراسخة في الذاكرة البصرية الإسلامية على امتداد العصور، وترى في تكريس هذه التقاليد إعلاء لشأن الجليل والجميل معاً، بحسب إجماع الكثرة الكاثرة من المجتمعات الإسلامية عليهما.حقاً إن الميل إلى التجريب والتجديد، ربما إلى حد المغامرة، في مجموعة مساجد كورنيش جدة قد أعطانا إبداعاً معمارياً يستحق الاهتمام بشدة، إلى حد تدريسه في عدد من أقسام العمارة على امتداد العالم.

ولكن هذه المجموعة من مساجد الشارقة ترى أن التأصيل والحفر في أغوار الذاكرة البصرية عن الأكثر خلوداً وقدرة علي استقطاب الاجماع هو صاحب الأولوية المطلقة.وإذا كان تصميم مسجد النور ينطلق عائداً إلى أرقى تقاليد العمارة العثمانية، عندما تجلت في عهودها الزاهرة منذ القرن السادس عشر، ليخرج لنا بكتلة نحتية تستعصي على النسيان، بكل ما فيها من قوة ورهافة، فإن تصميم جامع المغفرة يقوم بالرحلة ذاتها، ولكن وصولاً إلى هدف آخر مختلف، لا يقل عراقة ولا أصالة ولا استقطاباً للإجماع عن ذلك الذي حققه مسجد النور.

في جامع المغفرة نحن على موعد مع استحضار بصري مدهش للتقاليد المعمارية المملوكية، على نحو ما تناهت إلينا عبر قرون طويلة من تكريس هذه التقاليد والاشتغال عليها، وصولاً إلى الأرقى والأقدر على الصمود تحت الآفاق وفي الذاكرة، من حيث الإنشاء والمشروع الزخرفي على حد سواء.

في الإنشاء أنت بإزاء كتلة معمارية قوية تنغلق على نفسها في مواجهة الخارج الصعب مناخياً، لا لتحقيق الحماية للكيان المعماري وحده، وإنما لتحقيق ذلك الفضاء الذي تحلق فيه التجربة الروحية بكل صفائها.

لاحظ هنا أن مراعاة مقتضى الحال تفرض استبعاد صحن الجامع، فلا مجال وسط انهمار أشعة الشمس والرطوبة المرتفعة، لكنك ستجد استحضاراً له بلغة مختلفة عبر التعامل الرائع مع الأعمدة الحاملة ومع ازدواج الإضاءة من خلال المصادر الطبيعة والثريات.

التراث المحلي والإقليمي سيتم استحضاره من خلال الإنشاء والمشروع الزخرفي معاً عبر الأعمدة والأكتاف والزخارف والحشوات التي تخاطب الذائقة الخليجية والمحلية بامتياز.