من شعراء الشام أصحاب الدواوين في القرن الماضي خليل مردم بك، ويتنافس على تكوين شخصيته عدد من الاهتمامات، والأعمال. كان عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، فأميناً لسره، ثم رئيساً له. اشتغل بالعمل الدبلوماسي مدة، وصار وزيراً للمعارف، فالخارجية، واشتغل في الصحافة (مشاركاً) وأصدر عدداً من البحوث والمؤلفات.

وصار عضواً في مجمعي القاهرة وبغداد. وله ديوان شعر صنعه بنفسه وراجعه للطبعة الثانية، وأضاف إليه. وصفه في الأعلام قال: في طبعه هدوء، وحب للمسالمة، وبُعد عن المغامرات وإيثار لما يشبه العزلة.

وفي أعماله أنه درس في الكلية العلمية الوطنية بدمشق، قلت: هي المدرسة التي تعلمت فيها في المرحلة الثانوية. مرة، وفي أحد احتفالات الكلية، تحدث المدير عن تاريخ الكلية وذكر بعض خريّجيها، وبعض أساتذتها وذكر خليل مردم بك، ثم قال: إنه ـ أي المدير - هو الذي أقنع خليل مردم بك لتقديم إحدى قصائده إلى مسابقة النشيد الوطني السوري. وكان نشيده هو الرابح فعلاً. وهو النشيد الباقي إلى اليوم. ومن هذا النشيد:

حُمَاة الدّيار

عليكُم سلام

أبت أن تذلّ

النفوس الكرام

عرين العرو

به بيت حرام

وعرش الشمو..

س حِمى لا يضام

وشعره، وإن كان في غالبه، ينحو منحى قوة السبك، وجزالة الألفاظ، ومتانة التركيب قادر على احتواء مشاعره وعواطفه، ويلين ذلك الأسلوب من خلال تضميخه بالعاطفة: تلفّه، وتدخل في ثناياه. ونقرأ من قصيدة له، وهو بالإسكندرية (سنة 1926) يحن إلى الشام، والبلاد تحت سطوة المستعمر:

أيها القاطع عرض البحر هل

لك عهد بروابي قاسيون؟

ثم مهوى القلب دارات الهوى

منزل الأهل حمى المستضعفين

جيرة جار عليها دهرها

ما على الجور لها قط معين

هل درت أن على النأي فتى

كاد يرديه إلى الشام الحنين؟

ومن هذا اللين الذي لا تظهره صورته المصورة على أوائل صفحات ديوانه قصائد له أنشدها في بعض ولده، وأحفاده، تنضح بالرقة، والعواطف العالية كقوله من قصيدة بعنوان الطفل، ووصفه: بأنه: (صورة من صور الله تعالى) قال:

أملٌ تدركه العين وأين

بعد إدراك المنى قرة عين

صورة من صور الله التي

خلصت من كل تحريف وميْن

شاء أن يبدع من صوره

فبراه متعة للناظرَيْن

وفي الديوان قطعة عنوانها «يا مزمع السير» دون فيها الشاعر بيتين اثنين وقدم لهما بمقدمة قصيرة، فيها «كتبت على صورة لي قدمتها لإبراهيم حلمي أفندي العمر البغدادي:

يا مزمع السير بلغت المنى مهلاً

يؤدّ حقاً من التوديع قلبان

زوّدتك الروح ذكرى الود إذ أزفت

ساعات سيرك فاقبل رسم جثماني

والمهدى إليه من كتاب العراق المترسلين (1890 ـ 1942).

فهو يتحدث إلى صديقه وهو يزمع على السفر، ويقول إنه يريد أن يؤدي حق التوديع، ولم يجد أحسن من إهدائه الروح راعية له، ومع ذلك العطاء قدم إليه صورة فيها رسم الجسم (الصورة الشخصية الفوتوغرافية).