روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الشيوخ فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء»؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله لا أؤثر بنصيبي منك أحدا، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده.
يقرر الحديث الشريف مبدأ رئيساً في الحياة الاجتماعية كما يريدها الإسلام، ويتجلى هذا المبدأ في توقير الصغير للكبير، وقد أقام الإسلام تصوراً اجتماعياً رفيعاً وضحه الحديث الشريف من خلال ما يسمى بأدب المجلس والذي تبدأ حلقته الأولى دائماً بوجه القوم وكبيرهم حيثما كان من المجلس.
وقد التزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأدب الإسلامي الاجتماعي، فكانوا يبدأون ضيافتهم في الطعام والشراب برسول الله صلى الله عليه وسلم فيقدمونه أولاً لأنه وجه المجلس الذي ينبغي أن يبدأ به أولاً سواء أكان في صدر المجلس أو طرفه أو عن يمينه أو يساره، والحديث الذي معنا قدم لنا نموذجاً من تربية الرسول صلى الله عليه وسلم، لأصحابه خاصة الصغار منهم، فهذا غلام يجلس بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ عن يمينه بينما جلس شيوخ القوم وكبارهم عن يساره.
وعندما قدم له الشراب شرب منه ثم التفت إلى الغلام يستأذنه في تقديم الشيوخ عليه توقيراً لهم، ولكن ذلك الغلام يأبى ذلك، فينزعج النبي صلى الله عليه وسلم من تصرف الغلام ويتل وعاء الشراب في يد الغلام ومعنى تله: أي: ألقاه إليه بشيء من العنف الدال على عدم الرضا والارتياح، وتلك إشارة نبوية مفادها أنه يجب على الصغار توقير الكبار.
وهذا الأدب الرفيع حث عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كثير من أحاديثه الشريفة كما في قوله ـ صلى الله عليه وسلم: «ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه» فهذه مسألة تعتبر دينا ووفاء، فالشاب الذي لا يقدر تضحيات الكبار ويتنكر لمآثرهم لا خير فيه، فلولا تضحيات الكبار ما وصل أولئك الصغار، وهذا المعنى أكده النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى في حديثه حيث قال: «إن من إجلال الله تعالى «إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير العالي فيه والجافي عنه (أي التارك له) وإكرام ذي السلطان المقسط» (العادل).
ويقرر الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه القاعدة في إكرام كبار السن عندما قال: «أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، كبر، فدفعته إلى الأكبر» مسلم.
فهذه الأحاديث الشريفة تقدم لنا أدباً رفيعا مفاده البدء بالأكبر فيقدم في المجلس والضيافة تحقيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «أنزلوا الناس منازلهم».
د. أبو بكر علي الصديق