اكتشف الإنسان منذ فجر التاريخ، لغة التواصل بينه وبين غيره من البشر، وكانت «الكلمة» هي المعبرة عما في جوانح نفسه، وعما يجول في خاطره، ويرد على عقله من فكر، وكان التعبير عن ذلك يتم عن طريق لغة ما. لذلك كانت الكلمة الواحدة قوة نافذة مثل الرصاص في عقول البشر على مر التاريخ، بل كان لها مفعول السحر في التأثير في مجرى الأحداث، وتحريك ملايين البشر سواء من طريق الإقدام أو الإحجام.
ورأينا من خلال الاستقراء التاريخي أن هذه الكلمة أقامت مجتمعات ونقلتها من مرحلة إلى أخرى ومن مذهب إلى مذهب، ومن معسكر إلى معسكر، وهي التي صنعت مدنيات، وشيدت حضارات، بكل ما فيها من تقدم ونهضة وثقافة وفنون.
وقد حمل أمانة هذه الكلمة أولاً الأنبياء، وعانوا في سبيل إبلاغها لتغيير مفهومات الأمم، وإرساء قيم جديدة، وثقافة أصيلة تقوم على الحب والمودة والتعاون والتسامح والعدل والشورى، وتغرس مبادئ أخلاقية قويمة تمد جسور التواصل بين الأنا والآخر، والذات والموضوع، والفرد والمجتمع، والجسم والروح، والدنيا والآخرة.
ثم واصل العلماء والفلاسفة والقادة والساسة والشعراء والأدباء هذه المسيرة، ومتابعة هذه المهمة كل في ميدانه، فحملوا رسالة الفكر وأمانة الكلمة وبناء التاريخ لتغيير أركان المجتمع وتشييده على أسس جديدة. فكم من قائد سياسي، قاد شعبه إلى الانتصار، واستقطب حوله الجماهير بقوة الكلمة النافذة وبسحر منظومته الفكرية ومنطقه السليم، ودفعها دفعاً، إما إلى النصر أو الهزيمة.
وكذلك انخرط الفلاسفة في هذا المضمار، فمنهم من شيد نسقاً فلسفياً، قاد الأمة إلى الخير والرحمة والأخلاق، كما نرى عند سقراط.
ومنهم من قاد أمته إلى الهلاك والدمار والفساد كما نرى في فلسفة النازية التي كانت تطبيقاً لكلمات فردريك ينتشه النارية والحارقة.
* أستاذ الفلسفة معهد العلوم الشرعية