لعلي لا أجانب الصواب ولعلي أخرج عن الثرثرة للثرثرة إذا قلت أن خير ما يوصف به زماننا أنه زمان شرور البلايا التي تضحك، زمان يصل فيه الإحساس بمرارة التناقضات إلى ذروة المأساة، مما يجعل الدمعة في العين وهي أصلاً مؤشر الألم والحزن والضيق تجف فاسحة المجال لضحك أقرب إلى ضحك المجانين ودموع مقنعة بهستيريا الضحك على الذات والجميع.

في شهر رمضان الماضي كتبت سلسلة مقالات بعنوان «الجنون ألوان في شهر رمضان» بعد أن تحول شهر العبادة إلى شهر للتهريج والضحك على الذقون - قديماً كان يسمى ضحكاً على اللحى التي لم تعد اليوم مؤشراً للرجولة والوقار والنضج وربما التدين - ثم مر عام كان كل يوم فيه يؤكد أن الجنون لم يعد محصوراً في سوء فهم الناس لرمضان والصوم فيه، فالجنون والغباء والانتحار أسماء تصلح لأن تصف العرب والمسلمين بصفة خاصة والعالم كله بصفة عامة.

ويحتاج المرء إلى كثير من الصمم والعمى الموجودين بوفرة بيننا - والحمد لله - للتعامل مع مهزلة القرن الحادي والعشرين المأساوية، وحتى لا أتهم بالمغالاة فإنني أطلب من كل قارئ أن يستفتح نهاره لشهر بقراءة صحيفة يومية بدءاً من أخبار العالم في الصفحة الأولى وانتهاء بالطرائف خفيفة الدم في الصفحة الأخيرة، متجرداً عن كسله العقلي واعتباراته المسبقة، فإن هذا كفيل بإصابته بسلسلة من الأمراض بدءاً من الجنون وكل أنواع الأمراض العقلية والنفسية وانتهاءً بالجلطات والسكتات القلبية والدماغية.

هل نحن فعلاً نعي ما حولنا ونسمي الأشياء بأسمائها وننزع الأقنعة عن أكثر الوجوه بيننا، الأمر فيه شك، أو أنه يستدعي شكر الله على نعمة النسيان والعمى والهستيريا مما يجعلنا نمارس حياتنا بكل يسر وسهولة وبكل احترام لشخصياتنا وللآخرين، فنأكل ونشرب وننام ونتناسل ونصيف ونتنزه ونربي أولادنا وأحفادنا - على البركة- ونحن والعالم نتآمر عليهم لجعلهم مشاريع مجانين أو مشاريع مجرمين.

قديماً قال برغسون اننا لا نضحك إلا إذا كان الموقف الذي يضحكنا يستحق سخريتنا وازدراءنا فالسخرية هي أم الضحك، فإذا كنا عرباً ومسلمين وسكاناً للأرض نستحق بامتياز السخرية من عقولنا الخفيفة وسلوكياتنا العشوائية المتهورة، فإننا مدعوون إلى مائدة من الضحك تتخم وتقطع القلب.

يتساءل الناس اليوم عن سبب اختفاء الضحك وتقلصه في حياتنا، ويقارنون بين ثلاثمئة ضحكة تقريباً يطلقها الرضيع وخمس عشرة ضحكة تبقى منها على وجه الراشد. الواضح أن الهم والغم المتهمان الأوليان عن غياب الضحك وعن الكرب الذي يرسم ملامحه على وجوهنا جميعاً، وأصل الهم والغم والكرب بعدنا عن الله وخوضنا في المحرمات ورضانا بالدنيا واستغنائنا عن الآخرة، وهو ما أريد لفت الأنظار إليه في رمضان هذا العام: المعاصي أم كل هذا الهنا الذي نحن فيه... وهل رمضان فرصة للوقوف مع الذات ومراجعتها.

إلا أنني أقترح كوصفة مبدئية لندرة الضحك أن نضحك على أنفسنا، فنحن نصلح بشكل ممتاز لنكون موضوعاً للضحك من كثرة الثقوب والرقع والألوان الملطخة في شخصياتنا الكريمة، وكفانا نقداً للآخرين وتحميلهم مسؤوليات فشلنا وهزيمتنا وخسارتنا التي لا تنتهي.

ربما أنجح في إضحاككم أو إبكائكم - لا يهم - وقد أكون مملاً ثقيل الدم، ولكن أملي أن تجربوا معي قراءة عدة مقالات قبل أن تحكموا بإلغائي من قراءاتكم الرمضانية لعلكم تكتشفون معي سر الخلطة العربية الإسلامية العجيبة مما يضحك حتى ينقلب الضاحك على قفاه.

في المأثور النبوي نهي عن كثرة الضحك لأنها تميت القلب، وهي كثرة غير متاحة اليوم والحمد لله على الرغم من أن قلوبنا قد ماتت وكفنت بأثواب فقدان الإحساس وتغّول الحواس، أما الضحك الذي نحاول إثارته هنا فهو ضحك لا يميت القلب بل يحاول إنقاذه في اللحظات الأخيرة، هو ضحك النقد والكشف عن عري الناس والعالم من الفضائل والحكمة.

في أكثر من مدينة في العالم يشتهر بعض من نسميهم بالمجانين، أشخاص لم يحتملوا التعايش مع التناقضات فخرجوا عن العقل السائد الذي هو الوجه الآخر لعملة وجهها الأول القبول بالذل والعار والفقر والظلم. يجلس الواحد منهم على مصطبة في شارع كأنها مصطبة على الحياة والعالم ويبدأ بالكلام والسب والشتم والاتهام دون خوف من أحد، ويستمع المارون إلى أحاديث هؤلاء فيجدون كثيراً من الحكمة فيها.

ولكنهم يهرولون بعيداً خوفاً من «المجنون» الجالس في الشارع أو «المجانين» الجالسين على كراسي الإدارة والتخطيط وتسيير أمور العباد والبلاد. ونحن نأمل ممن سيلمس في كلامنا وخزاً أن يعاملنا معاملة المجانين الجالسين في زوايا الشوارع فلا يؤاخذنا على خلطنا وخبصنا وفي أسوأ الأحوال يأخذنا من أيدينا لنكمل ما تبقى من حياتنا بين عقلاء مشافي الأمراض العقلية.وللحديث صلة.