في ظل تراجع دور هيئات ومؤسسات الدول بفعل النظم الاقتصادية الجديدة بدت حاجة المجتمعات الإسلامية إلى تشجيع العمل الخيري التطوعي باعتباره البديل العملي لخدمة الفئات الاجتماعية الفقيرة ورعايتها بالإضافة إلى المساهمة في عملية التنمية.
وقد أجمع علماء الإسلام على أهمية العمل التطوعي باعتباره تراثا إسلاميا وتكليفا دينيا لتحقيق التكافل الاجتماعي بأكثر من وسيلة، بما يحقق التفاعل بين أبناء المجتمع المسلم. وفي هذه السطور نسعى للتعرف على نظرة الإسلام للعمل التطوعي وكيفية الارتقاء به بما يتفق مع ظروف العصر الذي نعيشه ومتغيراته.
يقول د. محمد عمارة المفكر الإسلامي: في هذا التوقيت الذي تسير فيه النظم الاقتصادية نحو الخصخصة تتزايد الحاجة إلى تفعيل دور منظمات العمل الخيري التطوعي في المجتمعات الإسلامية باعتبارها بدائل شعبية لخدمة الفقراء ورعاية المحتاجين، بالإضافة إلى الدور الكبير الذي تلعبه لمساندة الدولة في هذا الميدان.
والذي يحتاج إلى إمكانيات ضخمة ومتنوعة وإذا كان العمل التطوعي لا يستهدف فقط العمل الدنيوي بل ثواب الله وأجره في الآخرة فمن باب أولى التركيز على خدمة المجتمع الإسلامي ورغم أهمية عمل الفرد التطوعي، يبقى العمل الخيري الجماعي أكثر شمولا وأعم فائدة على قطاعات كبيرة من الفقراء والمحتاجين، وخير دليل على ذلك ما قاله - قديما - عبد الرحمن الكواكبي:
«الجمعيات تفي بما لا يفي به عمرالأفراد، فالمحسن وفاعل الخير تنتهي جهوده بوفاته أما إذا وضعت هذه الجهود ضمن عمل مؤسس اجتماعيا فإن البر يظل دائما وأبدا، وهذا ما يعطي للعمل الخيري صفة التواصل ليس فقط لمن يستفيدون منه في وقته، بل هو دائم الإفادة لصاحبه حتى بعد وفاته»، والسنة النبوية المطهرة حثت على العمل الخيري التطوعي في أكثر من حديث شريف.
ويشير د. عمارة إلى أن العمل الخيري مثله مثل العلم النافع الموظف من خلال مؤسسة علمية وبحثية فإنه يظل ثوابه دائما بالنسبة لصاحبه بعد وفاته، فالمال المرصود للعمل الخيري يجب أن يتم استغلاله من خلال مؤسسة أو جمعية خيرية ليبقى ثوابه قائما، فالخدمات التي تقدمها هذه الجمعية لن تتوقف، بعكس العمل الفردي الذي ينتهي بوفاة من يقوم به والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك:« إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:
صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» وهو ما يؤكد أن قضية العمل الخيري ليست وليدة اليوم ولكنها عريقة في الإسلام، وبدأت في عصر النبوة في صورة «نظام الوقف» والذي يعني وقف بعض العقارات والأراضي أو النقود على العمل الخيري ومساعدة فقراء المسلمين، وهو نظام فريد من نوعه لأنه الوحيد الذي حقق الملكية العامة أي ملكية الأمة، فإذا كان الإنسان مستخلفا عند الله في المال، فنظام الوقف أشبه بإعادة المال إلى المالك الأصلي وهو الله سبحانه وتعالى، ليتحول الاستخلاف من الفرد إلى الأمة.
ويطالب د. عمارة المسلمين في كل مكان بالإقبال على العمل التطوعي ورصد ثرواتهم ومالهم للعمل الخيري، لما له من فائدة كبيرة في النهوض بالمجتمع وزيادة العملية الإنتاجية، وكذلك لابد من تنمية دور المؤسسات الأهلية والجمعيات الخيرية والأفراد والجماعات العاملة في هذا المجال، والملاحظ لنظام الوقف قديما يجد أنه هو الذي موّل صناعة الحضارة الإسلامية التي تفوقت على جميع الحضارات الأخرى، لذا لابد من إعادة نظام الوقف.
وبخاصة وقف الأموال على التنمية الثقافية الإسلامية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنمية التعليمية بجميع مراحلها وخدمات الطب، وبناء المساكن وهذا كله لن يتم إلا من خلال نظام المؤسسات والجمعيات الخيرية، وفق ترتيب متقن للأولويات الملحة.
أنجح من السياسة
ويوضح د. عبد الصبور شاهين بكلية دار العلوم جامعة القاهرة: إن العمل التطوعي أو الخيري بإمكانه تحقيق ما فشلت فيه السياسة من تجميع الأمة الإسلامية في بوتقة واحدة.
وهناك قاعدة رائعة يمكن أن ينطلق منها العمل الخيري الإسلامي تجعل الخير من الجميع وإلى الجميع وقديما كان المسلمون يوقفون أموالهم على الأعمال الخيرية التي تشمل الإنسان والحيوان، فبعض الأوقاف في التاريخ الإسلامي خصص ريعها لإطعام الكلاب في السوق حتى لا يصيبها الجوع فتؤذي المارة، وامتد استخدام الأوقاف وريعها إلى العلم أيضا، والأزهر الشريف كان يعيش على أوقاف الأمراء وكبار الملاك.
ويؤكد د. شاهين أن الوقف الإسلامي كان نموذجا انتهجه المسلمون قديما لتحسين أحوال مجتمعهم وفعل الخير استجابة لقوله تعالى:« وافعلوا الخير لعلكم تفلحون » في حين أنه الآن انزوى ليصبح محاصرا في مشروعات تقليدية كبناء المساجد و المدارس ولم يقترب من المشاركة في عملية التنمية، سواء التنمية الثقافية أو الاجتماعية لخدمة الأمة الإسلامية، لذا فلا بد من الاقتداء بما فعله السلف الصالح، ومضاعفة العمل التطوعي لخدمة التنمية في مجتمعاتنا.
تكليف ديني
د. مصطفى الشكعة المفكر الإسلامي يقول: العمل الخيري مصطلح إسلامي في الأساس، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قال قبل خمسة عشر قرنا من الزمان: «الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة» والعمل التطوعي تراث إسلامي وتكليف ديني يجب القيام به والحفاظ عليه كقيمة، والقرآن الكريم ذكر كلمة الخير مئة وستا وسبعين مرة.
وهكذا شاع «الخير» كمصطلح إسلامي، وانتشرت الجمعيات الخيرية والتعاون بين المسلمين جماعات أو حكومات، يقول تعالى مشجعا بل آمرا على هذا العمل: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ومن منطلق الفهم الرائع لهذه الآية الكريمة تعاون المسلمون من أهل الخير على فعله لرأب الصدع في مجتمعاتنا.
ويشير د. الشكعة إلى أن الإسلام حريص على أتباعه، ومن ثم قامت جماعات الخير لتحقيق هذا الغرض وأنشئت المستوصفات وقامت ببناء المستشفيات وتطرق العمل الخيري إلى حماية البيئة ومعالجة مشاكل الطفل.
مشيرا إلى أن هناك العديد من الجمعيات الخيرية التي حث الإسلام على التعاون في إنشائها ومساعدتها في أداء عملها، وقد بدأت تؤدي عملها على مستوى الأقطار العربية والإسلامية، مثل جمعية «الهلال الأحمر» وجمعية «المعاقين» وغيرها من الجمعيات التي تهدف إلى خدمة من يحتاجون في كل المجتمعات الإسلامية.
ويطالب د. الشكعة الحكومات الإسلامية بالقيام بواجبها في ميدان العمل الخيري في كل المجالات التي يفرضها واقع المجتمع المسلم، مؤكدا أن العمل الخيري التطوعي هو أساس سلامة المجتمع المسلم، فإذا التقى العملان - الرسمي والتطوعي - صارت الأمة الإسلامية من أفضل الأمم.
دليل على التقدم
ويرى د. صلاح عبد المتعال أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إن العمل التطوعي النافع الذي يهدف إلى سعادة الفرد والمجتمع مؤشر على مستوى الشعوب والأفراد من رفاهية وتقدم، ولكن العمل الخيري التطوعي الآن أصبح تقليديا، ولا يستطيع الوفاء بالآمال المعقودة عليه .
بالإضافة إلى ضعف دوره في عملية التنمية، ومرجع ذلك افتقاد مؤسساته إلى التنظيم والتوجيه الصحيح. ويطالب د. عبد المتعال بفتح المجال لمشاركة الناس في العمل التطوعي وإنشاء المزيد من الجمعيات التي تستهدف العمل الخيري، الذي يرتبط في المقام الأول بكيان الإنسان كمسلم، ومؤمن باعتبارها تقربا إلى الله سبحانه وتعالى، فضلا عن النتائج الإيجابية لهذا العمل على المجتمع.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: