ما أن تدخل الفتاة الجامعة حتى تبدأ أحلام العمل تداعب مخيلتها وتمنحها الرضا إذ أنها ستحمل شهادتها بيدها وستحصل على وظيفتها بجدارة وستكون سيدة نفسها، تشتري ما تريد وتقدم لأمها الهدايا الثمينة من مرتبها الجيد، لكن تلك الأحلام تتبخر مع أولى خطوات التخرج وبدء رحلة البحث عن عمل، فالواقع يفرض قدرا غير قليل من المعاناة، وفرص العمل ضئيلة ولا يتم الحصول عليها بسهولة لذا تكون رحلة البحث عن عمل محفوفة بالمتاعب واليأس، ومنطوية على كثير من المفاجآت التي لم تتوقعها الفتاة في أول إطلالة لها على الحياة العملية. كيف تعيش الفتيات هذه التجربة؟ وما هي الصعوبات التي يواجهنها في رحلة البحث عن عمل؟
تقول نورة سلطان : «واجهتني كثير من الصعوبات بعد تخرجي من الجامعة فقد بدأت بالتقديم للمؤسسات والدوائر الحكومية خاصة إني سمعت كثيرا عن موضوع التوطين فتوقعت أني سأحصل على عمل بشكل سريع ومرت الأيام والشهور من دون جدوى، وكنت أتقدم بأوراقي في كل مكان حوالي أربع مرات، وتقدمت للعمل التطوعي لكن المعنيين قالوا إنهم غير محتاجين لنا حاليا، وقد كانت صدمتي كبيرة لأني تخرجت من كلية الإعلام وتخصصي في مجال الإذاعة والتلفزيون، وعدد البنات قليل في هذا المجال،
لكني وجدت أن المؤسسات الإعلامية تطلب مذيعات فقط ولا ترغب بتعيين البنات في مجالات أخرى، وخلال تجربة البحث عن عمل وجدت أن العمل يقدم لبعض الناس على حساب الآخرين، والواسطة لها دور كبير في الأمر، كذلك تطلب بعض المؤسسات من خريجي الجامعة العمل بشهادة الثانوية فقط لأغراض مادية الأمر الذي يسبب الإحباط لنا ويجعلنا نفقد الجدوى من جهودنا ودراستنا في الجامعة».
أما فتحية عبد الله الحمادي فتروي تجربتها قائلة : حصلت على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية وقدمت أوراقي للعمل كأخصائية اجتماعية في المدرسة الموجودة في منطقتنا منطقة ناهل وهي إحدى مناطق مدينة العين النائية، وقد قبلوا بي للعمل مؤقتا براتب 1500 درهم يقتطع من ميزانية المدرسة،
وكنت أعمل بجد طوال عام دراسي كامل ولا توجد أي أخصائية اجتماعية غيري وأنا ابنة المنطقة وأرغب بالعمل لكن قرار تعييني لم يصدر وقد توجهت إلى وزارة التربية والتعليم لكنني لم نجد حلا، لا بل حتى أنهم لم يتسلموا أوراقنا، على الرغم من وجود هذا الشاغر، وأنا لا أرغب بالجلوس بالبيت وإهمال ما تعلمته في دراستي وقد تدربت في جمعية النهضة النسائية ومدرسة مريجب وحصلت على تكريم من الهلال الأحمر لكني لم أجد بابا مفتوحا للحصول على عمل».
وتختم فتحية كلامها قائلة : «ما يوجع القلب أن النوادي الرياضية تشتري لاعبين من الخارج بملايين الدراهم بينما لا نجد نحن فرصة عمل بشهاداتنا الجامعية فنحصل على رواتبنا من جهودنا، وحتى الآن ما زلت أنتظر حلا لمشكلتي لكني سمعت أنهم سيعينون أخصائية من خارج المنطقة ولا أدري لماذا يتجاهلون أننا نستطيع أن نخدم منطقتنا بشكل أفضل.
مياومة .. وألفا درهم
وتعاني سلمى الكتبي من مشكلة مشابهة إذ تقول:«عملنا أنا وأختي في الدوام الصيفي في سكرتارية مدرسة ناهل وقد أخبرتنا الإدارة أننا سنثبت في العمل بعد مرور شهرين ومرت سنتان، وقد اجتزنا امتحان الوزارة بامتياز لكننا لم نحصل على نتيجة وحاولنا الاتصال بوسائل إعلام مختلفة لمساعدتنا في حل مشكلتنا؛ وربما أثار هذا الأمر حفيظة بعض المسؤولين فقد سمعنا أنهم عينوا سكرتيرات بديلات لنا، وأنا أناشد وزير التربية أن ينظر في أمرنا فقد كنا نبقى في المدرسة حتى الساعة الرابعة مساء ونقوم بعملنا على أكمل وجه، لكن التعامل معنا بقي مياومة وبقيت مرتباتنا في حدود الألفي درهم،
لذا كانت تجربتنا مع الحصول على العمل مرهقة جدا ومؤلمة لكن لدينا أمل بالمسؤولين ليحلوا مشكلتنا». وتتحدث أمل سالم عن تجربتها في البحث عن عمل فتقول:«حصلت على شهادتي الجامعية في العلاقات العامة وكنت أتوقع أن أجد الوظيفة بعد التخرج مباشرة، لكن العكس هو الذي حصل، فقد حاولت العمل في المؤسسات الحكومية لكني لم أحصل على أية فرصة،
واتجهت إلى البنوك ولم أحصل على نتيجة، وقد صدمت بموقف أحد المسؤولين في إحدى الشركات الذي حاول أن يوضح لي أن العمل في العلاقات العامة يقتضي من المرأة ارتداء أزياء خاصة ومجاملة الآخرين بشكل مختلف لذا فان اختيار نماذج أخرى للعمل اعتمادا على الشكل والزي هو السائد، وأحبطني الأمر لكني ما زلت أحاول الحصول على فرصتي التي أستحقها».
وتروي دلال محمد الجلاف تجربتها وزميلاتها بعد التخرج : « نحن ثلاث عشرة فتاة حصلنا على شهاداتنا من كلية الإعلام لكن ثلاثا منا فقط حصلن على عمل، وكل جهة عمل تطلب منا الخبرة وأحيانا يستدعوننا ويجرون معنا المقابلات ثم يقولون انتن مناسبات لكن تفتقرن إلى الخبرة، ولا أدري لماذا يجرون المقابلات معنا على الرغم من إيضاحنا بأننا مبتدئات ، والملاحظ أن خريجات الثانوية يحصلن على عمل قبلنا فقد تقدمت إحدى صديقاتي الجامعيات وأختها التي أنهت الثانوية للحصول على وظيفة،
فاختاروا الأخت غير الجامعية لأن راتبها أقل». أما ندى ناصر فتقول :«لقد تقدمت للحصول على عمل أمام أكثر من أربعين جهة حكومية في دبي والشارقة وعجمان وأم القيوين، وأجريت مقابلات عديدة وقالوا سنرد عليك، ولم يأت الرد، وهناك جهات تدعي إن التعيين قريب أو انه تم القبول لأفاجأ بتعيين فتاة خريجة ثانوية مع أن شروط الوظيفة تنطبق علي، والآن أشعر أني فقدت الأمل، وقد تسرب الملل إلى نفسي، لأن الكثير من أمور التوظيف لا تسير وفق المطلوب».
وتبدو الشاعرة الإماراتية الشابة رجاء الشحي مقتنعة بأن الفتاة ترسم طريق مستقبلها منذ بداية المراحل الجامعية حيث تقول: «بدأت العمل التطوعي منذ المرحلة الأولى في الجامعة وقد عملت في مركز قباء للثقافة والفنون برأس الخيمة وأذهب للعمل في الفترة المسائية أيام الدوام، أما في العطلة الصيفية فأذهب صباحا، وقد تعلمت الكثير خلال تجربة العمل التطوعي فعلى الرغم من عدم وجود مردود مادي استطعت أن أجد الفائدة في الخبرة التي اكتسبتها، ووجدت أن الإنسان يجب أن يتعلم كل يوم أمرا جديدا، فالحياة تحتاج الى كل الخبرات العملية حتى يتمكن المرء من الحصول على فرصة عمل، وقد بدأت بالفعل في البحث عن عمل استطيع أن أنطلق به بعد تخرجي مباشرة».
هيئة التنمية والتوظيف
تقدم هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية الخدمات الإرشادية للمواطنين الباحثين عن عمل، وكذلك إلى الطلاب والمرشدين وأصحاب العمل والمؤسسات الحكومية والخاصة، لتطوير مهارات الشباب وتحسين المستوى الوظيفي،كما تقدم الهيئة الاقتراحات المناسبة للحصول على الفرص المناسبة، فيما يقوم مرشدون محترفون بتدريب الكوادر الشابة للارتقاء بمهاراتهم وإرشادهم إلى طرق الحصول على الوظيفة بشكل يلائم قدراتهم وإمكانياتهم،وفي هذا الإطار تشرح موزة السركال المرشدة المهنية في الهيئة بالشارقة فتقول :«ضمن خططنا الإرشادية نقيم ورش عمل للباحثين عن عمل من كلا الجنسين،
ونحن نوجههم إلى تقييم الذات أولا والحصول على معرفة أفضل بماهية قدراتهم واهتماماتهم الوظيفية والصفات الشخصية لهم والوظائف التي تلائمهم، كذلك نرشدهم الى أسس وضع الأهداف والتخطيط للمستقبل الوظيفي وإعداد خطط العمل ودعم الثقة بالنفس، كما نقدم معلومات عن مستجدات سوق العمل في الدولة، ونعلمهم كيف يجرون المقابلات للحصول على الوظيفة وتجنب بعض السلوكيات التي يتبنونها وتكون مضرة بهم وبعملهم، ونجعلهم يجرون إعادة تقييم لعملية البحث عن عمل،
فالبحث عن عمل لا يعني تقديم الأوراق في أماكن مناسبة وغير مناسبة، لأن هذا التقديم العشوائي لا يأتي بالنتيجة المرجوة، إذ ان طلب العمل يجب أن يحتوي على معلومات كاملة، كذلك يقتضي المتابعة بعد التقديم ومعرفة الأشخاص الذين يجب أن تقدم لهم الطلبات، وبالتالي يعتمد الأمر على قدرة الباحث عن عمل على تقديم نفسه ومهاراته بشكل مقنع ومناسب للحصول على الوظيفة».
دبي ـ دلال جويد