كشفت عملية توقيف السياح الألمان في الصحراء الجزائرية وتقديمهم للمحاكمة على خلفية اتهامهم بسرقة وتهريب العديد من القطع الأثرية من حظيرة التاسيلي في أقصى جنوب البلاد قبل أشهر، عن فضيحة غير مسبوقة تعود تفاصيلها إلى أكثر من عشر سنوات
عندما وقعت وزارة الثقافة الجزائرية بمدينة فرانكفورت في عهد وزيرها السابق سليمان الشيخ اتفاقية مع معهد ألماني متخصص في الدراسات الأثرية شملت طلبًا لوضع خريطة أثرية لأكبر محمية سياحية جزائرية تمتد على مدى أكثر من 80 ألف كيلومتر مربع، وتدعى (تاسيلي نادجر)، تابعة إداريا لولايتي «إليزي» و«تمنراست» الصحراويتين (نحو 2000 كلم جنوب العاصمة).
ولقد تبين من التحقيقات أن الكثير من السياح الألمان وغيرهم من الأوروبيين ممن وقعوا في أيدي الجماعة السلفية للدعوة والقتال، كانوا يقصدون ظاهريا الصحراء الجزائرية بغرض التنزه والسياحة، لكنهم في حقيقة الأمر كانوا يغوصون في أعماق الجنوب الجزائري بحثا عن قطع أثرية تعود إلى آلاف السنين ولا تقدر بثمن، قصد تهريبها إلى أوربا وبيعها بأسعار خيالية في أسواق الآثار.
وقد فجرت هذه الفضيحة الأولى من نوعها وزيرة الثقافة خليدة تومي في معرض ردها على سؤال للنائب عدة فلاحي من الغرفة الأولى للبرلمان. وكم كانت الدهشة كبيرة عندما اعترفت الوزيرة بأن في الأمر «إنّ كبيرة»، وأكدت أن الجزائر لم تحصل على أي امتياز يذكر جراء هذه الاتفاقية، بل خسرت بموجبها الكثير و«تم تجريدها من تراثها بعلم وبرضى بعض المسؤولين الذين تواطأوا مع باحثين ينتمون لمؤسسات بحث جزائرية.
وأكد مدير المحمية، حسين عمبيز، من جهته أن المخبر الألماني أنشأ خريطة معلوماتية لأكثر من 3000 منطقة أثرية في المحمية، غير أنه لم يسلّم هذه الخريطة إلى الحكومة الجزائرية، مع كمية هامة من القطع الأثرية التي نقلها إلى ألمانيا لغرض البحث ولم تعد أبدا،
ومع ذلك فإن مقترفي الجريمة لم يتابعوا قضائيًا على خلفية احتواء الاتّفاقية على بند ترخّص بموجبه الحكومة الجزائرية للطرف الألماني نقل القطع الأثرية خارج أرض الوطن لغرض علمي من دون إلزامه بإعادتها، الأمر الذي رسخ الاعتقاد بأن القطع الأثرية التي تم تهريبها إلى ألمانيا تمت في إطار قانوني ولأغراض علمية بحتة،
وهو نفس الكلام تقريبا الذي قالته الوزيرة تومي في ردها على سؤال النائب عدة فلاحي. والغريب في الأمر أن مدير المحمية استعان بالشرطة لتوقيف «اللصوص الألمان» عندما عادوا لسرقة القطع الأثرية مرة أخرى بهدف مطالبتهم بإرجاع المسروقات، غير أن أمرا صدر إليه من مسؤول في وزارة الثقافة الجزائرية يحذره من الإساءة إليهم ويحثه على معاملتهم كسياح، مع طائلة الفصل من منصبه إذا تمرد على الأمر.
ومما زاد من الشك حول الموضوع تأكيد المسؤول الأول في القطاع بأن رخصة البحث أعطيت لباحثين جزائريين لا ينتمون لحظيرة التاسيلي، بل والأكثر من كل ذلك هو طلب هذه الرخصة من ديوان الحظيرة السالف ذكرها على الرغم من أنها لا تحوز على صلاحيات البحث، التي تعود لوزير القطاع دون سواه،
وكان من نتائج اعترافات وزير الثقافة باللبس الذي يلف هذه القضية، اتجاه البرلمان الجزائري نحو تشكيل لجنة تحقيق لتسليط المزيد من الضوء على حادثة تهريب الكنوز الأثرية في جنوب البلاد. وتتميز منطقة التاسيلي التي صنفت على أنها أكبر متحف طبيعي مفتوح في العالم، بمختلف أنواع التضاريس، والتي تمتد على مساحة عشرات الآلاف من الكيلومترات في حضن الصّحراء،
وتحوي من الآثار ما يدهش له الإنسان، فهي تتوفر على شواهد من كل المراحل والحقبات التاريخية ولاسيما تلك التي تعود إلى مرحلة ما قبل التاريخ، وتصور مختلف مظاهر الحياة البدائية على صخور غرانيتية شديدة الصلابة لم تؤثر فيها عوامل الطبيعة وتقادم السنين. ونظراً لقلة عدد سكّان المنطقة الذين لا يتجاوزون العشرة آلاف نسمة في أحسن الأحوال،
فإن آثار التاسيلي مازالت كما تركها أصحابها ولم تعبث بها يد الإنسان، شاهدة على عراقتها وتميزها، لكنها تعاني من غياب الحراسة الصارمة، على الرغم من تخصيص الحكومة مبلغ 250 مليون دينار(5,3 ملايين دولار أميركي) لحمايتها ومراقبتها.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي