تعتز شعوب العالم كافة بتراثها الشعبي، لما فيه من الذكريات العاطرة، ولما يحتويه من عبر وعطاء وآلام وآمال حرة تذكرهم بأسلافهم. ويصف ابن نفيسة الآداب الشعبية بأنها تتصف بخفة الروح وصدق العاطفة ووضوح التعبير على الرغم من تقيدها بالقواعد اللغوية، ولأن الأديب أو الشاعر الشعبي إذا أراد أن يصّور موقفاً، فما عليه إلا أن يُطلق لسجيته السمحة العنان، ويترك حسه الطبيعي المرهف يصور مشاعره وانفعالاته دون الرجوع الى قواعد اللغة ومقاييسها فما عليه إلا أن يضبط وزن قصيدته وقافيتها على الطريقة التي تعجبه.
ومع ذلك فإننا نجد في كثير من القصائد المتقيد بقواعد اللغة الفصحى، والقصيد النبطي الشعبي أكثره إن لم يكن جميعه مملوء بالصور المشرقة المنسجمة الألوان، هذا إلى جانب ما يحتويه من قصص البطولة والكرم والحب الصادق والعفة والحكِمَ والمواعظ والحث على التخلّق بالأخلاق الحميدة وتجنب الأخلاق القبيحة والسمات الرّذيلة.
ويشير ابن نفيسة إلى أنه قد اعتمد في جمعه للأشعار والقصص على الراوي المشهور عبد الكريم المكاوي راوية شاعر نجد الكبير محمد العوني، وميزة إضمامة ابن نفيسة برأينا أنها لم تُهمل (سالفة) أو حكاية كل قصيدة، بل دُوّنت بتفاصيلها، فحفظت لنا تراثاً وتاريخاً كان شفاهياً إلى أمد قريب، وقد نشرت الاضمامة عام 1981م ورغم ما حفِلَت به من أخطاء مطبعية، إلا أنها تبقى وثيقة أرّخت لشخصيات وأحداث تاريخية مرّت بالجزيرة العربية بقيت إلى حد ما بعيدة عن التوثيق الرسمي رغم أهميتها.
وقد استخدم ابن نفيسة اللهجة العامية في التدوين فدون القصص والحكايات ربما بنفس لهجة الراوي الذي أخذها عنه، وإن كانت أحياناً تميل للفصحى أو ما عُرف باللغة العربية الوسيطة حيث تختلط العامية بالفصحى لإيصال المعنى للقارئ.
ومثال ذلك ما ذكره من قصة عبيد العلي الرشيد مع عيال بنته (هكذا) ورفيقه الصلبي وقصيدته (من قبيلة الصلبة وهي قبيلة معروفة في أنحاء الجزيرة العربية بمكانتها الاجتماعية المتواضعة حيث يعتمد أبناؤها على الصيد وتربية الحمير التي اشتهروا بها، ومعرفتهم البوادي والقفار والمنتجعات، إضافة إلى تعلق بعض نسائهم بأعمال الشعوذة والسحر.
وقد زارهم الرحالة ألويس موزل الذي تردد إلى مناطق تواجدهم في شمالي الجزيرة العربية ونشر الكثير عنهم في كتابة عادات الرولة وأخلاقهم تحدث فيه عن هذه القبيلة التي جذبت الكثير من الباحثين العرب والغربيين فبحثوا وكتبوا عن جذورها وعاداتها وتقاليدها ومكانتها الاجتماعية منهم على سبيل المثال لا الحصر:
فلبي، ألويس موزل، بيلي، غوارماني، شارل هوبير، فارتيما، ماكس فون اوبنهايم، وليم رايت، جورج أوغست فالين، ريتشارد بيرتون، كاروثرز، وليم جيفور بالغريف، جون لويس بيركهارت، كارستين نيبوهر، كرستينا جرانت، ليدي آن بلانت، فيكتور ملر، وليم سيبروك، ه.ر.ب. دكسن، هنري فيلد. أما الباحثون العرب الذين كتبوا عن الصلبة فمنهم: عباس العزاوي، الأب انستاس الكرملي، سليمان البستاني، وغيرهم. ورغم الاختلاف في أصول هذه القبيلة إلا أن رجالها ونساءها أيضاً ينظمون القصيد البدوي.)
ويورد ابن نفيسة سالفة القصيدة كالتالي (وقد صححنا بعض الأخطاء المطبعية الواردة فيها): كان عبيد بن علي الرشيد ... له صديق صلبي ... وكان عبيد يقدره حسب ما بينهم من مودة..وكان الصلبي على جانب كبير من المروءة والشجاعة والصدق والأمانة... وحصافة الرأي والنخوة والوفاء والإخلاص. وكان عبيد يرا فيه (هكذا كُتبت يرا) ما لا يرى في غيره ... وفي كثير من الأحيان ينتدبه في بعض المهام الغامضة... والصعبة مع ما فيها من الخطر على نفسه وعلى عبيد كذلك.
ولو أن عبيد ندب لبعض هذه المهام حد عياله ... ما استطاع القيام بها.. ولو بذل كل ما في وسعه من حيلة وحتوال (هكذا !) وجهد.. ولكن الصلبي ما يروح في طريق إلا ويقضي اللزوم بأسرع وقت .. وأسهل طريقة... فلهذا كان عبيد يثق به ما يثق في عياله ... ويعطيه ... ويبّره بما طابت فيه نفسه».
ثم يأتي ابن نفيسة للسبب الذي دعا عبيد الرشيد لقول القصيدة:
والباعث لهذه القصيدة .. أن عيال بنتك يا عبيد طرا عليهم يقنصون .. ولكن ما عندهم ركايب يقنصون عليها.. وعند الصلبي ركايب طيبة .. وقالوا فيما بينهم.. غدينا نأخذ ركايب الصلبي نقنص عليها لأنها من أطيب الركاب الموجودة. وكان الحاكم في ذلك الوقت طلال بن رشيد .. وهو أبو العيال الى (ربما المقصود إلاّ بمعنى لكن ) جدهم عبيد .. وهم عبدالله ومحمد وذعار ونايف .. وكانوا مغرمين بالصيد والقنص.
وفي ذات يوم ... قالوا لصلبي (و أظنها قالوا للصلبي ) نَبْيك تعطينا ركايبك نقنص عليهن وعَيا الصلبي على ركايبه .. وتوعدوه .. وهددوه بالقتل .. وأخذ الركايب منه بالقوة.
فيوم عرف الصلبي .. عزمهم على اخذ الركايب بالقوة.. أخبر جدهم عبيد بما صمموا عليه من اخذ ركايبه بالقوة .. لو يضطرون لقتله. وبعد ما اطلع جدهم على ذلك .. استحلفهم .. وقال لهم .. عرفت انكم تبون تأخذون ركايب رفيقي بالقوة لو تقتلونه .. فنا عاهدتكم بما عاهد موسى ربه به .. انه لو يجري على الصلبي شي منكم .. اني .... (وهددهم بالذبح إن تعرضوا له).
وقال القصيدة الآتية على هذا المنوال. واليكم القصيدة .. يقول عبيد:
حمدت ربي عالم السر والغيب
يقبل صلاتي له ويقبل صيامي
يجعل لنا عرض نقي عن العيب
ويفكنا من شر سو الاثامي
ابن آدم ملغي الخطا والعذاريب
لو ما فعل ترمى عليه التهامي
عيالي لقو بي عقد ما شبت لي عيب
عيب لقوة مفسرين الحلامي
قلت اخبروني وش لقيتو من العيب
قالو على ساقت رفيقك نخامي
والعيب هذا من قديم لنا عيب
مستارثينه من خوال وعَمامي
رفيقنا لو هو من الجد وصليب
متعلّق منا براس السنامي
رفيقنا ما نجدعه للقصاصيب
يجبرنا لو هو كسر العضامي
هاذي فعايلنا إيلي عَدّو الطيب
كلٍ يعود لفعل أهله القدامي
وقد أوردنا القصيدة كما وردت في إضمامة ابن نفيسة دون تغيير إملائي في الكلمات. وكما أشرنا، رغم ما في الاضمامة من أخطاء مطبعية وإملائية إلاّ أنها نَبّهت الى نقطة نرى أن الاشتغال عليها كان ومازال قليلاً، إن لم يكن نادراً، إلا وهو البحث عن السبب الذي دعا الشاعر الى قول قصيدة ما في موقف ما، والبحث عن الدوافع والمسببات وهي برأينا مهمة قدر أهمية القصيدة، لأنها تكمل الأهمية التاريخية لهذا النوع من الشعر ولا تحصره فقط في باب الأدب الشعبي وفنونه.
ولو تتبعنا حياة شاعر شعبي كبير كالعوني مثلاً، نراها وقد لعبت بها السياسة دوراً كبيراً، وقد تنقل هذا الشاعر جغرافياً في حياته تبعاً لأهوائه السياسية، فتارة تراه في نجد، وتارة تراه في الشمال، وتارة في العراق، وتارة في الكويت، وهكذا. حتى ذهب ضحية طموحه الذي لم يقف عند حد، ولكنه كان على جانب كبير من الشاعرية فهو صاحب موهبة فذة، كما كان على جانب كبير من الدهاء، وقد حصر تفكيره كما يذكر ابن نفيسة في الحماسة والسياسة.
لذلك نرى أنه وقد أرّخ تقريباً لأغلب مراحل ولاءاته السياسية شعراً، لذلك فإن كل قصة قصيدة قالها، أهمية الوثيقة السياسية التاريخية، فله قصيدة شهيرة يحفظها ويتداوَلها رواة الشعر الشعبي منذ القدم وهي من أشهر قصائده وهي الخلوج، فهي قصيدة سياسية بالأساس، قيلت لأسباب سياسية تحريضية بحتة، وأدت غرضها السياسي الذي قيلت من أجله، وعندما وَعد العوني بأنه يستطيع جلب (العقيلات) من الشام ومصر لنجدة إخوانهم في نجد والقصيم موطنهم الأول، وبالفعل عادَ العقيلات بعدما وَصلتهم القصيدة لنجدة إخوانهم.
يشير الدكتور عبد العزيز عبد الغني إبراهيم في كتابه «نجديون وراء الحدود»، أن القصيم دخل بعد معارك ضارية تحت حكم آل رشيد الذين لم يُحسن بعض حكامهم معاملة أهله. أدت تلك المعارك وما تلاها من حيف إلى تسارع وقع الهجرة من تلك المنطقة إلى العراق والكويت ووصل بعضهم إلى الشام.
ويقول المؤرخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن في كتابه «تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان «في حوادث عام 1310ه/1892م» وفي هذه السنة سكن الفارّون الذين جلوا من القصيم ومن بينهم آل مهنا وآل سليم والشاعر العوني واطمأنوا في الكويت ودمشق لاجئين هناك من حكم آل رشيد».
ويذكر ابن نفيسة الأسباب الباعثة لهذه القصيدة بقوله: «ان حكام بريدة في ذلك الوقت آل مهنا وحكام عنيرة السليم كانوا في الكويت بعد ان وقعت الصريف والعوني نفسه معهم، وكان ذلك الوقت سعدون السعدون حاضراً في الكويت، وكانوا في ذات يوم من الأيام مجتمعين عند ابن صباح في مجلسه وحصل بينهم بحث في موضوع عقيل (والعقيلات حسب عبد العزيز عبد الغني إبراهيم أن اصل تسمية هؤلاء النجديين النازحين بالعقيلات فذلك أمر يكتنفه الغموض وعلينا أن نرجح بحكم الشواهد بين ثلاثة آراء.
الرأي الأول أنها نسبة للعقال الذي يعصبون به رؤوسهم والذي ميزهم عن غيرهم، والثاني أنها لحقت بهم من بني عقيل الذين اشتهروا قبل هذا بتجارة الخيل والإبل، ودخل العقيلات تحت هذا المسمى بنَسَب المهنة حيث عملوا بالتجارة نفسها. أما الرأي الثالث، وهو ضعيف لا سند له، فيقول أن مدلول التسمية التي ألُحقت بهذه الجماعة ترجع إلى أنهم كانوا يعقلون الإبل.
ولعل أشهر شعراء العقيلات في الإمارات الشاعر مبارك بن حمد العقيلي، الذي يصفه حمد أبو شهاب في كتابه، «تراثنا من الشعر الشعبي» بأنه الشاعر الأحسائي مولداً والدبوي موطناً ومستقراً، المتوفي عام 1374ه، وله قصائد رقيقة، عذبة، ومنها
جفا النوم جفن الصّب ما عاد يعتادي
ومن كان مثلي كيف يلتذ برقادي
غريم الحشا والحب في مهجتي نشا
ودَمعي وشا بلّي اكنّيت بفوادي
عبارات عبرات اعتباري وعبرتي
بعابر سبيل في الهوى للهّو هادي
أنا بات مبتوت الرجا من احبتي
وغيري بهم بالوصل يخطا ولسعادي
أردد زفيري في ضميري ولوعتي
وجمر الجوى والوجد في القلب وقّادي
عيوني عيونٍ عَيّنَت يوم عايَنت
من العين عين الّي تعيّن بلعنادي
وقد غنى بعض أبيات هذه القصيدة التي يربو عدد أبياتها كما أوردها أبو شهاب 67 بيتاً، المطرب عبد الله بالخير.
وقد مدح العوني نفسه آل رشيد حكام حائل، وله أكثر من قصيدة في مدح سعود بن عبد العزيز الرشيد، ويكاد يكون السبب الذي دعا العوني لإنشاء هذه القصيدة التي سنورد مطلعها، مشابهاً للسبب الذي دعاه لإنشاء قصيدته الشهيرة الخلوج ولكن معكوساً، أي كانَ في الخلوج محرّضاً على حكم آل رشيد وهنا مستصرخاً شمر الجزيرة (الجربا) مستحثاً رجالها لنجدة ابن الرشيد أما قصة القصيدة كما يوردها بن نفيسة فهي أن «نواف بن شعلان غزا بعض قبايل ابن رشيد وأخذهم ..
وكان الجوف أيامها تحت حكم ابن رشيد، وكان فيه منصوب لابن رشيد، ولكن ابن شعلان عزم على مهاجمة الجوف واحتلاله، وطرد منصوب بن رشيد منه، وفعلاً تم لابن شعلان ما أراد، وغزا الجوف واحتله وطرد منصور بن رشيد وكان بن رشيد بينه وبين بني عمه شمر الجزيرة وقفة نفس وسوء تفاهم وقال العوني هذه القصيدة على لسان ابن رشيد، يستحث بها شمر الجزيرة ويستفزعهم. وعندما قال العوني القصيدة، وأرسلها لشمر استجابوا لطلب ابن رشيد، ولبّوا نداءه، وجردوا معه للحرب، واسترد ابن رشيد الجوف، ورضي على شمر بعدها.. وقال القصيدة التي مطلعها:
الاعْمار سفن والليالي بحار
لا قدار تجري والغباب غزار
ليعود فينقلب على سعود بن عبد العزيز الرشيد ويساند قاتله حسب ابن نفيسة محمد الطلال الرشيد، وهنا حدثت معه مواقف تذكرنا بحوادث مشابهة حدثت للمتنبي سواء مع سيف الدولة أو مع كافور الإخشيدي، مواقف تعبّر عن خيبة الأمل التي ولدت المرارة في نفس الشاعر.
والقصة كما يرويها ابن نفيسة أنه بينما كان محمد الطلال أميراً لحائل بعدما قتل الأمير سعود بن عبد العزيز الرشيد كان العوني هو رأس العصابة الذين سعوا في إخراج محمد الطلال من السجن واقعدوه على كرسي الحكم في حايل، لأن العوني في ذلك الوقت صديق لابن طلال الخاص وكان هو الذي تزعم الفئة التي قامت بحبك الدور لابن طلال.
وبعدما حكم ابن طلال جزم العوني الداهية الكبير ـ حسباً بن نفيسة ـ أنه هو الذي يكون كل شيء عند ابن طلال، وفي ذات يوم تقدم العوني لابن طلال بشفاعته في بعض أصدقائه، ورفض ابن طلال شفاعة العوني ورده خائباً في شفاعته. تَذَكّر العوني ما قام به من الجهود في سبيل ابن طلال حتى أنه تروّس «اللفظ كما دوّنها بن نفيسة» الحكم في حايل بسببه.
ثم بعد ذلك تخلاّ (هكذا) ابن طلال عن العوني وأبعده عما كان يؤمل به ويرجو ما يناله من التقدير والكرم مقابل ما فعل معه، فصار في خاطر العوني على ابن طلال بعض الشيء، ولكنه لا يستطيع مجاهرته، ولا مكابرة بما فعل معه، وأنه فراح عليه (وأظنه يقصد ذهب إليه) وجادت قريحة العوني بهذه الأبيات يتشرّه فيها على ابن طلال ويذكرّه بما فعله معه .....
أدركتها بالحزم والعزم والباس
وطفيتها يوم أنها كانت سعيرة
وخليت عدوانك يصيرون حراس
براي وتدبير وفكر وبصيرة
ويوم انها قامت من الساس لرّاس
وصارت سنا نارك بنجد كبيرة
شطرت عنها يا حما دن الفراس
انا لبعيد وصار غيري ذخيرة
صارت الناس ما هقينا بها جناس
ونالي الفشلات صارت بريرة
أنا رفيقك يوم يخطونك الناس
ونا وديع سرودكم والسريرة
احسب لو حصّلت عزّ ونوماس
يصير لي جاهه وفخره وخيره
دنياك تمضي بين فرحة وهوجاس
وصيور ماهي يا بو بندر قصيرة
تأليف: عمار السنجري