حتى نهاية القرن الثامن عشر، على الأقل، ظلت علوم الجبر والأرقام في الحضارة الغربية، تنهل من انجازات عالم مسلم كبير، عاش في بغداد معظم سنوات حياته، وحتى رحيله في العام 846م (232ه)، وكتب بالعربية.
هذا العالم هو الخوارزمي، الذي استعار الغرب اسمه ليطلقه على علم سماه «الغوريتم». هنا إطلالة على انجازات هذا العالم الكبير، ولا سيما على كتابه العمدة «الجبر والمقابلة»، علما بأنه عرفت له كتب أخرى مثل «عمل صنع الإسطرلاب» و«الرخامة» وغيرها...
«®®. وقد شجعني الإمام المأمون أمير المؤمنين على أن ألفت من كتاب «الجبر والمقابلة» كتابا مختصرا حاصرا للطيف الحساب وجليله، لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي أحكامهم وتجاربهم.
وفي جميع ما يتعاملون فيه بينهم من مساحة الأرضين وكسري الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه»، بهذه العبارات مهد الخوارزمي لذلك الكتاب الذي عد منذ ذلك الحين وحتى عقود قليلة من السنوات أول كتاب ألف في علم الجبر، ما يعني ان هذا العلم يدين بفضله وبجوده، أصلاً إلى الحضارة الإسلامية ذات اللسان العربي.
من هنا القول انه إذا كان العرب قد عجزوا عن ان يحققوا أية إضافات في علم الهندسة الذي وصلهم «كاملا مكملا» من اليونانيين فان مآثرتهم الكبرى كانت في الجبر، هذا العلم الذي جاء به الخوارزمي، العالم الآتي من جنوب بحيرة خوارزم (آرال لاحقا) في تركستان، لكنه أنجز دراسة وألف وحقق ونشر.
وهو يعيش في كنف الدولة العباسية أيام ازدهارها على عهد المأمون، وكان الخوارزمي منقطعا الى العلم في مكتبة (خزانة) المأمون، على الأقل في العقود الأخيرة من القرن الثاني للهجرة ومنها العقود الأولى من القرن الثالث.
وإذا كان الخوارزمي قد برع خاصة في علم الجبر فانه استطرادا لهذا، كان ذا حظ من الإضافة في علم الأرقام، بل يعتبر هو الذي عرف العرب والأوروبيين لاحقا بالأرقام الهندية، ما دعا الغرب الى ان يشتق من اسمه نفسه_ على ما يقول كثر من المؤرخين_ اسم الأرقام «الغوريتم».
اسم الخوارزمي هو أبو عبد الله محمد بن موسى، ولقد قال عنه المؤرخون انه لم يبرع فقط في علمي الجبر والأرقام، بل كان أيضا متفوقاً في عدة علوم كالرياضيات والفلك والجغرافيا والتاريخ. ولعل معرفته الواسعة جاءته من اطلاعه المبكر على العلوم الهندية كما على العلوم اليونانية، ما مكنه من التوليف بينها جميعا، بحيث كانت له تلك الإضافات المهمة.
ويحدثنا الدكتور رشدي راشد، في بحث مهم نشره ضمن إطار موسوعة تاريخ العلوم العربية ان ظهور كتاب «الجبر والمقابلة» للخوارزمي في بداية القرن التاسع الميلادي_ ما بين العام 803 و830 تحديدا_ كان حدثا مميزا في تاريخ الرياضيات، إذ_ حسب الدكتور رشدي راشد_( كانت تلك المرة الأولى التي تظهر فيها كلمة الجبر في عنوان لكتاب وذلك للدلالة على مادة رياضية متميزة تمتلك تعابيرها الفنية الخاصة.
إذا كان الحدث عظيما باعتراف كبار مؤرخي الرياضيات، قدامى كانوا أم محدثين. وفي هذا الإطار يفسر الدكتور راشد ما يرمي إليه: وما انفك كتاب الخوارزمي هذا يشكل مصدر الهام لا للرياضيين بالعربية والفارسية فحسب وإنما أيضاً باللغة اللاتينية واللغات الأوروبية الغربية، حتى القرن الثامن عشر للميلاد».
ويستطرد الباحث المصري المعاصر قائلا: «غير أن هذا الحدث يحمل مفارقة لافتة، ذلك ان الجدة في مفاهيم هذا الكتاب وتعابيره، كما في تنظيمه لم تواكبها أية صعوبة في فهم التقنيات الرياضية المستخدمة فيه، وذلك بالمقارنة مع ما نرى من المؤلفات الرياضية الضخمة المتحدرة من إقليدس ومن شابهه.
لكن هذه البساطة يعود الفضل فيها بالتحديد الى ما كان جديدا في إدراك الخوارزمي الرياضي ومفاهيمه وأساليب بحثه». وهنا لابد من الإشارة الى انه إذا كان ما أتى به الخوارزمي جديدا في حينه، فان الحقيقة تشير الى انه كانت له مع ذلك، جذور تمتد الى عصور البابليين، حيث يتبدى الخوارزمي في كتابه ونظرياته وتطبيقاته، تلميذاً أميناً ومجتهداً للرياضيات البابلية.
وهنا تحديدا يكمن سر إضافات الخوارزمي وتجديداته، اذ ان أهم ما اشتغل عليه كان التوليف بين ما هو هندي وما هو يوناني، على ضوء ما اطلع عليه، وشكل إرثا طبيعيا له، آتيا من الحضارة العراقية القديمة. ومهما يكن من أمر فإن الخوارزمي نفسه كان يرى ان الرياضيات هي في الأصل بضاعتنا وقد ردت إلينا، بعد ان قامت بجولتها الحضارية الطبيعية.
ولكن لئن كانت تلك هي الجذور والدوافع، فان ما لا شك فيه ان الهدف العلمي والحضاري الذي سعى إليه الخوارزمي من خلال جهوده كان أصيلا لا علاقة له بأي تصور سابق على وجود هذا العالم.
وهذا الهدف يمكن تلخيصه وتبسيطه، بالاعتماد على تحليل الدكتور رشدي راشد، بأنه إنما كان إنشاء نظرية لمعادلات قابلة للحل بواسطة الجذور، يمكن ان ترجع إليها مسائل على الحساب والهندسة على السواء.
ويستهل الخوارزمي، على أية حال، القسم الأول من كتابه بتحديد ما نسميه اليوم «التعابير الاولية» «لنظريته، في تمهيد لهذه النظرية التي اقتصرت على معالجة المعادلات من الدرجة الأولى والثانية وذلك انسجاما مع متطلبات الحل بواسطة الجذور، ومع مستوى معارفه ومعارف عصره في هذا المجال». وفي لغة علمية تقنية مبسطة بعض الشيء، نقول ان هذه التعابير الأولية كانت:
المجهول الذي سماه «الجذر» او الشيء ومربع المجهول والأعداد العقلانية (المنطقية) الموجبة وبعض القوانين الحسابية الخالصة التي تقوم على أسس الجمع والقسمة والطرح والضرب والنسبة وما الى ذلك ناهيك بعلاقة المساواة. وانطلاقا من هذه التقنيات المعهودة، تمكن الخوارزمي من إدخال مفاهيم «معادلة الدرجة الأولى» .
و«معادلات الدرجة الثانية» و«ثنائيات الحدود» و«ثلاثياتها الملازمة لهذه المعادلات» و«الشكل المنتظم للمعادلة» والحلول الطرائقية وهو تعبير علمي يستخدم في القرب، ويرى كثر بأنه مشتق أصلا من الترجمة اللاتينية شبه العريقة لا سيما الخوارزمي نفسه_ و«برهان صيغة الحل».
بيد ان الدكتور راشد ينبهنا هنا الى أن مفهوم المعادلة، إنما يظهر في كتاب الخوارزمي لكي يدل على فئة لانهائية من المسائل ، لا كما يظهر مثلا عند البابليين، في مجرى حل هذه أو تلك المسائل.
ومن جهة أخرى فان المعادلة_ حسب تفسير راشد للخوارزمي_ لا تولد في مجرى حل المسائل المطروحة كما عند البابليين أو عند ديوفنطس، لكنها تقدم منذ البدء انطلاقا من تعابير أولية تنتج عن ترتيبها وتوثيقاتها بين جميع الصيغ الممكنة لهذه المعادلة.
ويرى المؤرخون ان كتاب الجبر والمقابلة الذي نعرفه اليوم قد يكون في الأصل مختصراً لكتاب اوسع، بحيث ان الخوارزمي وضع هذا «المختصر» كي يكون في متناول الناس في أعمالهم التجارية وفي بعض أنحاء حياتهم اليومية.
ومن ناحية أخرى ينبه العديد من العلماء المعاصرين الى إضافة شديدة الأهمية أضافها الخوارزمي أيضاً وتتعلق بمسألة إيجاد قيمة حقيقية للمجهول، حيث قال باستحالة هذا الإيجاد.
ومن هنا أطلق على حالة البحث عن القيمة الحقيقية صفة «مستحيلة» وهو ما بقي عليه اسمها بين علماء الرياضيات الغربيين حتى أواخر القرن الثامن عشر، أي حين راح علماء من طينة كاسبار فيل وجان روبير آرجان، يبحثون في ما يسمى الكميات التخيلية، انطلاقا من بحوث الخوارزمي نفسه.
