لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات ومواضعات لا حد لها. وليس بوسعنا في وقفات كهذه إلا أن نقف على نُتف مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.
وإذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وجمالها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في هذا الحيز الصغير، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات.
نظرات نفسية
قيل: إذا حاججت فلا تغضب، فإن الغضب يدفع عنك الحجة، ويظهر عليك الخصم.
وقيل: من ذمك في غيبتك خشيك في حضورك.
وقيل: إعجاب المرء بنفسه دليل على نقصه.
فروق لغوية
في الاستعمال اللغوي ثمة فروق دقيقة لا يدركها العامة ويعرفها المهتمون باللغة والمختصون فيها، وسنحاول في كل عدد الوقوف على صور منها. فنحن عادة ما نطلق على ما نراه من اختلال عقلي لدى شخص ما اسماً واحداً هو (الجنون). لكن في لغتنا ألفاظ عدة لتمييز كل مستوى من مستويات ذلك الاضطراب، على النحو الآتي:
الفرق بين الضوضاء واللغط:
تُطلق الضوضاء أو الجَلَبة على اجتماع أصوات الناس والدواب.
ويطلق اللغَط على الأصوات المبهمة التي لا تكاد تُفهم.
شعر الرؤية
قال المتنبي:
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفتُهُ من الفَهمِ السقيمِ
ولكنْ تأخذُ الأفهامُ منهُ على قدْرِ القرائحِ والعلومِ
يبلغ المتنبي في هذين البيتين مبلغاً متقدماً من الرؤية الشعرية التي لا تنقصها الحكمة ولا النظر النقدي. فالمتنبي يتعرض هنا لاختلاف أذواق الناس التي تكون باعثاً على اختلاف أحكامهم على الأشياء من حولهم. فلا سبيل إلى توحيد الحكم ما دام الناس مختلفين في الأداة والمعيار الذي يقيسون به ذلك الشيء.
كما يلفتنا المتنبي إلى أن انتقاص الناس من أمر وعدم رضاهم عنه، قد لا يعود حقيقة إلى ما في ذلك الشيء من عيب وقصور، بقدر ما يعود القصور إلى الأداة التي نرى بها الأشياء، أي من فهمنا السقيم الذي يعجز عن تلمس مواطن الجمال والإتقان والجودة. فالحكم على الشيء لدى البشر إنما يتكون بناء على الفهم، لكن مشكلة الفهم أنه يتحقق بمقدار ما يمتلكه المرء من علم وسجية وامتلاء أو خواء من العلم والثقافة. فكلما اتسعت معرفة المرء ازداد فهمه واتسع أفقه.
فوائد لغوية
نقول: المُرتَزِقةُ (بكسر الزاي) لمن تجندهم جهة أو شخص ما لأداء فعل أو إتمام قضية مرفوضة اجتماعياً أو أخلاقياً، لقاء دفع أموال غير شرعية لهم، ولا نقول: مُرتَزَقة (بفتح الزاي)، لأن المقصود هو اسم الفاعل لا اسم المفعول.
ونقول للّباس الوطني الذي نرتديه عادة: الزِّي (بكسر الزاي المشددة)، وليس الزَّي (بفتح الزاي المشددة).
ويظن بعضنا أن لفظة (زوَّقَ) المستخدمة في لهجات بعض بلداننا العربية بمعنى (زيَّنَ) عامية غير فصيحة، وهو ظن في غير محله، إذ هي فصيحة ولا غبار عليها.