لم أعد أحتمل هذا المهمل محمد من الصف الأول الابتدائي، أوراقه مبعثرة تحت مقعده، زيه المدرسي مهلهل، دائماً ينسى أوراق الواجب والكتب في درج المقعد، كثيراً ما يتعثر بالأشياء من حوله، وإن لم يجد ما يتعثر به، يتعثر بظله. أما سلمى فقد أفسدها الدلال حتى أصبحت أشبه بالسلحفاة تحتاج دهراً كي تنقل كلمتين عن اللوح، ودهراً آخر كي تفتح حقيبتها، تتشتت من همسة، وتسرح مع نسمة هواء، وتحتاج كي تفهم المعلومة إن فهمت- إلى إعادتها عشرات المرات، ثم لا تلبث أن تنساها في اليوم التالي. أما المصيبة الكبرى فتتجسد في فاضل الذي أنهى الخامس الابتدائي، وما زال يقرأ كطفل في الأول.

مثل هذه العبارات وما هو أشد قسوة منها، دارجة في مجتمع المعلمين والمعلمات، إذ يرجع أغلبهم ما يحدث مع محمد وسلمى وفاضل إلى الإهمال. ولا يدرك أغلبنا أن ما يحدث مع هؤلاء الطلبة وغيرهم كثير، هو مجرد مؤشرات جلية على وجود صعوبات تعلم.

تختلف صعوبات التعلم في أعراضها وتشخيصها عن بطء التعلم، وعن التخلف العقلي، فالبعض يخلط بين الطلبة الذين يعانون درجة خفيفة من التخلف العقلي، وغيرهم من ذوي صعوبات التعلم. طلاب الصعوبات يمتلكون في كثير من الأحيان مستويات ذكاء، من متوسط إلى مرتفع، وما يحدث لديهم هو اضطراب في كيفية تلقي المعلومة وكيفية التعامل معها.

مجلس الوكالة الدولية لصعوبات التعلم، وضع في العام 1987 تعريفاً لصعوبات التعلم، يقول: «إن مفهوم صعوبات التعلم، بشكل عام يشير إلى مجموعة غير متجانسة من الاضطرابات، التي تتضح من خلال الصعوبات الواضحة في الاكتساب والاستماع والتحدث والقراءة والكتابة، أو الاستدلال، أو قدرات الحساب، أو المهارات الاجتماعية، وأن هذه الاضطرابات ترجع إلى خلل في الجهاز العصبي المركزي، لذا فإن صعوبة التعلم قد تحدث مصاحبة لظروف الإعاقة الأخرى، مثل الإعاقات الحسية؛ التخلف العقلي.

والاضطراب الانفعالي أو الاجتماعي، وكذلك التأثيرات البيئية الاجتماعية، مثل الفروق الثقافية، والتعلم غير المناسب أو غير الكفء، أو العوامل النفس جينية، وخاصة العيوب الخاصة بالإدراك، وأن كل هذه الحالات من الممكن أن تسبب مشكلات تعلم، لكن صعوبة التعلم ليست نتيجة لهذه الحالات، أو لتأثيرات هذه الظروف». هذا جرس إنذار نقرعه عالياً لنبصر جميعاً أن واجباً عظيماً يقع على عاتقنا، كأولياء أمور ومعلمين، في الملاحظة الدقيقة، ثم الكشف عن هؤلاء الطلبة، وعدم رميهم جزافاً بألقاب تزيد من شدة معاناتهم، وتقتل ما لديهم من مهارات قابلة للتطور، إن وجدت الرعاية المتخصصة.