لا أحد يتخيل المكاسب المادية التي يحققها معلم الدروس الخصوصية كل عام، عبر بوابة «الفصول الدراسية الثلاثة»، ولعل هذه المكاسب لها أسلحتها الفتاكة التي تستنزف جيوب أولياء الأمور والأسر، ولا عجب عندما نرى في كل عام دراسي «مافيا» الدروس الخصوصية وهم يبتكرون ويطورون هذه الأسلحة لاستمرار تلك الظاهرة المسماة بــ (الدروس الخصوصية).

لم يعد هذا المرض يقتصر على منطقة دون أخرى، بل أصبح يشمل كافة المناطق بالدولة، بما قد يعصف بجهود الوزارة والمناطق التعليمية والمدارس والأسر، من أجل الارتقاء بالعملية التعليمية. ولعل التساؤلات المطروحة التي تفرض نفسها بعد تفشي تلك الظاهرة لدى طلبتنا بمختلف المدارس والجامعات هي: هل وزارة التعليم على علم كافٍ بذلك المرض الخبيث الذي يستشري بالمدارس ومسبباته؟، وهل تتصدى المناطق التعليمية بقوة لـ «حيتان» الدروس الخصوصية؟، وهل تتخذ المدارس الإجراءات الوقائية لتحصين طلبتها ضد «هوامير» الدروس الخصوصية؟، وهل ينزعج أولياء الأمور ويبحثون عن وسائل معينة للقضاء على استمرار مسلسل استنزاف الجيوب؟.

قد يبدو للمتابع أن رؤيتنا وقلقنا من تلك الكارثة، هو الخوف على الأموال، لكن الأمر أبعد عن ذلك بكثير، فلك أن تتخيل عزيزي القارئ مدى الصدمة التي أصابت المجتمع في الآونة الأخيرة، والتي تناولتها وسائل الإعلام بخصوص اعتداء مدرس بإحدى المدارس، على طفل في منزله أثناء إعطائه لدرس خصوصي، ولولا اكتشاف أم الطفل تلك المأساة أثناء عودتها من المطبخ بالشاي لهذا المعلم المفترس، لتمخض جرم أكبر تجاه ذلك الطفل البريء، والحوادث التي يرتكبها معلمو الدروس الخصوصية كثيرة ولا يتسع المجال لسردها، وأيضاً ما خفي كان أعظم.

في الوقت الذي تبحث فيه وزارة التعليم والمناطق التعليمية والمدارس، عن تذليل كافة الصعاب للطلبة الدارسين لتنمية شخصياتهم وفكرهم الإبداعي الذي يسهم في تحقيق النهضة المجتمعية، نجد أن هذا الوباء يلتهم تلك الجهود ويعصف بها، لذا بات على كافة المختصين التربويين وكافة فئات المجتمع البحث عن أسباب وعلاج تلك المشكلة، والغوص في أغوارها.

لعل أشهر المواد التي تجذب طلبة المدارس للدروس الخصوصية هي: اللغة الإنجليزية والرياضيات والكيمياء والفيزياء والأحياء، ناهيك عن المواد التي تدرس في الجامعات، والتلخيصات التابعة لها، والأبحاث التي أصبح يروج لها محترفون في التصميم!.

وفي النهاية، علينا ألا نتحسر طويلاً على استمرار تلك الظاهرة، بل يجب إعداد آليات وخطط تتضافر فيها كافة الجهود المجتمعية بصدق، ولا بد أن تسن قوانين تحمي المجتمع من هذا السلوك الهدام لكل القيم النبيلة التي نسعى إلى غرسها في نفوس أبنائنا الطلبة.