الدروس الخصوصية ظاهرة كانت أو سلوكاً فهي غريبة وعجيبة، انتعشت في زمن تكثر فيه وصفات «الديليفري»، حتى غزت بيوتنا وامتلأت بها صفحات الجرائد، وطفح الكيل منها، فكره الآباء المدارس قبل أبنائهم، وبلغ السيل الزبى!.
تلك الظاهرة أصبحت تجارة رابحة رائجة في ظل حالة الضعف الواضحة في مستويات الطلبة، وبات التعليم يشكل أرقاً في كثير من ملامحه، كيف لا وهو يستنزف من جيوبنا الكثير من الأموال سواء كانت أقساطاً للمدارس الخاصة أو تلك التي تدفع مقابل الدروس الخصوصية. فلا تكاد ترى بيتاً من بيوتنا، إلا ودخلته عدوى تلك الدروس التي لا ترحم، وهي تأتي على ما تبقى من جدية التعليم.
الخلل لا محالة ليس في الطلبة وحدهم، بل يشترك معه المنهاج والمعلم وولي الأمر أيضاً، ويبدو للمتأمل أن المعلم هو السبب الأساسي في هذا السلوك غير المبرر تربوياً أو تعليمياً، فقد بات كثير من معلمي مدارسنا لا يعطون التعليم حقه، بل إن بعضهم يصرح علانية للطلبة أن من يريد الفائدة عليه أن يلجأ الى الدروس الخصوصية!.
إنها «مهنة إضافية» كما يجدها بعض المعلمين، وتحقق لهم دخلاً إضافياً، فهي لم تعد مقتصرة على المواد العلمية، كالرياضيات والكيمياء والفيزياء، بل شملت اليوم كافة المواد، وأصبح كثير من الطلبة لا يهتمون بالدراسة في المدرسة، بقدر ما يسعون إلى إحضار معلم خصوصي إلى البيت ليلة الامتحان. الأمر الذي ينبغي ألا يغيب عن أصحاب القرار، أن هناك الكثير من مقدمي الدروس الخصوصية، يوفرون هذه الخدمة المدفوعة لطلبتهم الذين يدرسونهم في المدرسة نفسها.
إذن، نحن أمام ظاهرة أصبحت واقعاً لا مهرب ولا مفر منه، وللأسف أصبحت قناعة الكثير من أولياء الأمور تنحصر في وهم أن «ابنه لن ينجح إن لم يحضر له معلماً خصوصياً».
إن نظرنا إلى تلك الظاهرة نجد أنها في تزايد مستمر، وقد أصبحت اليوم تطال طلبة الجامعات، الذين لا يترددون في أخذ دروس خصوصية في موادهم المختلفة.. ذلك أبلغ مؤشر على تردي واقع التعليم بتسليمه مفاتيح المستقبل للدروس الخصوصية.. واقع لابد وأن يجد من يعيد التوازن إليه، وذلك التوازن لن يكون إلا في حالة جعل الدروس الخصوصية ذكرى سيئة من الماضي.