أحلام كثيرة نرسمها لمستقبلنا منذ مرحلة الطفولة، نذود عن بعضها بأغلى ما نملك من أجل أن نحقق حلماً، لكن قسماً منها ينكمش ويتضاءل لظروف متفاوتة، ومنها ما يتبدد كلما تقدم بنا العمر، وقد تجد البعض يستسلم عند أول تجربة خاطئة يقع بها شخص آخر، فيخشى على نفسه، ولا يأبه لحقيقة الفروقات والقدرات التي تميزه، فيبدد بتردده حلم الطفولة في لحظات، ويتوه في البحث عن حلم جديد، حتى يجد نفسه يبني مستقبله على أعمدة هشة لا تسمن ولا تغني.
هكذا هو الحال للأسف، مع بعض طلبتنا الذين تحاصرهم الحيرة أثناء تحديد خيارات مستقبلهم، حيث يقع بعضهم تحت سيطرة معتقدات ولي الأمر، ويتردد بعضهم في ما قاله فلان وفلان، ولكن في النهاية لا ينتصر إلا من تضامن مع قدراته وميوله، وهو ما أكده لنا الطلبة في حديثهم لـ «العلم اليوم»، حيث تقول الطالبة أمل أحمد في الصف الثاني عشر، إن اختيار التخصص هو قناعة شخصية من الطلبة، لكونهم يدركون نقاط القوة والضعف في ما سيدرسونه في المستقبل.
وتضيف أن اختيارها للتخصص يندرج ضمن شروط أساسية وضعتها في مخيلتها، وطوال الفترة الماضية تغيرت طموحاتها في دراسة تخصصات عديدة، وهي تفضل أن تربط في اختيارها النهائي بين التخصص الذي سوف تدرسه وحاجة سوق العمل له، كما أن المجال متروك لها في تحديد مستقبلها بما يتناسب مع قدراتها وميولها، ولن تجد أي معارضة من ذويها، لأنهم يدركون أن خلف التفوق والإبداع رغبة.
وتؤكد الطالبة عائشة عبدالله، أن اختيار التخصص مهمة ليست بسيطة، وبها يتحدد مستقبل الشخص، لذلك يجب أن يكون التعامل مع الاختيار بحجم أهميته، وتقول إن العديد من الطلبة يتعرضون لضغوطات من قبل الأهالي في تحديد التخصصات المقبلين على دراستها، وغالباً لا يكون لدى الأهل دراية بميول أبنائهم و قدراتهم، فهم يتشبثون بالمكانة الاجتماعية التي سوف يحصلون عليها أو العائد المادي وحسب.
رأي سلبي
ويذكر علي ناصر قصة أحد زملائه الذي أهدر سنوات إضافية في تخصص لم يستسيغه أو يحلم يوماً بأن يدرسه، وإنما اختاره بناءً على رغبة ذويه، وعندما عارض موقفهم، تكبد الكثير من المشكلات التي وضعته في حالة نفسية يُرثى لها، وكان السبيل الوحيد أمامه الاستسلام لما فرض عليه من قبل والده، والتخلي عن حلمه في دراسة تخصص آخر، وبعد مرور عامين دراسيين اكتشف أنه وصل إلى طريق مسدود، ولن يستطيع إكمال مشواره الذي قطعه في تخصص لم يتقبله منذ البداية.
وذلك بعدما تدنى مستواه الدراسي، وحصل على إنذارات عديدة، وانتهى به المطاف بأن يعيد ترتيب ما تبعثر من حلمه، وأن يلح على أبيه، وبالفعل تمكن بعد محاولات متكررة، من إقناع والداه، بتغيير التخصص، ثم التقط ما تبقى له من إرادة وطموح، ليبدأ دراسة التخصص الذي أحبه منذ كان صغيراً، وبعد بضع سنوات تخرج منه بدرجة تفوق وامتياز.
ويرى الطالب أحمد ضيفي كمال، أن التعامل مع ولي الأمر يكون بالمنطق، فهو يحمل وجهة نظر معينة، وفي حالة الإصرار من قبله يجب الاستعانة بالمعلمين أو الأقارب أو بمن سبقوهم في دراسة هذا التخصص، لتغيير وجهة النظر التي يحتفظ بها، موضحاً أن ثقافة ولي الأمر ودرجة تعليمه، تلعبان دوراً كبير في هذا الأمر.
الجامعة والوظيفة
ويفضل الطالب عدنان إبراهيم اختيار تخصصه بناء على درجاته في المواد التي درسها، حيث إن بعض التخصصات تعتمد على الفهم وبعضها يعتمد على الحفظ، وللطالب حق في أن يختار ما يتناسب مع قدراته، وينتقد عدنان في المقابل، واقع بعض الطلبة الذين يمتلكون مؤهلات وقدرات تمكنهم من التفوق في الدراسة الجامعية.
ولكن المشكلة أن هؤلاء يلجأون بعد تخرجهم من الصف الثاني عشر، إلى الوظيفة مباشرة، وذلك خشية من تعثرهم في الدراسة الجامعية، مستندين إلى فشل بعض أصدقائهم الذين وقعوا في مطبات وصعوبات حالت دون إكمال دراستهم.من جانبها تقول الدكتورة علياء إبراهيم مستشارة أسرية، إن اختيار التخصص أمر حساس يترتب عليه كثير من الأمور في المستقبل، وإن الاختيار الخاطئ يعود بآثار سلبية على الفرد والمجتمع. وترى أن الإرشاد الأكاديمي أمر ضروري ولا بد من تفعيله في المدارس، وذلك من أجل تكوين صورة إيجابية واضحة لمستقبل الطلبة.
وبالإضافة إلى ذلك يجب عدم إغفال دور الإعلام في تثقيف أولياء الأمور والطلبة والمعلمين حول معايير الاختيار السليم للتخصص، ومن الضروري جداً ألا يحتكم الطلبة لتجارب الفشل التي خاضها البعض، وألا ينصاعوا إلى رغبات الزملاء والأصدقاء، حيث يتوجه البعض إلى اختيار التخصص الذي يختاره الأصدقاء، بسبب دخول مجموعة من أصدقائه في التخصص ذاته، دون وعي أو إدراك لما سوف يدرسه أو طبيعة الوظيفة التي سوف يحصل عليها.