تزوجت وهي في الثالثة عشرة من عمرها، وبدأت العمل قبل ربع قرن كعاملة نظافة ومسؤولة عن الضيافة في مدرسة ديرة الابتدائية، بدافع مساعدة زوجها على تحمل مسؤوليات وأعباء الحياة.. لا تعرف القراءة ولا تجيد الكتابة بالطبع، فظروف الحياة الصعبة التي عايشتها في سنوات ماضية، حرمتها من دخول المدرسة، وأجبرتها على تحمل مسؤولية تربية بناتها السبع وأولادها الخمسة بعد وفاة زوجها..

 إنها حليمة البلوشي واحدة من الجنود المجهولين في خدمة الميدان التربوي، ودعم العملية التعليمية من أجل أجيال تتوالى.اضطرت حليمة البلوشي إلى تحمل المسؤولية كاملة بعد وفاة زوجها، فخاضت معترك الحياة مبكراً، ورغم ذلك فهي ترى في أيامها الماضية كثيراً من المتعة والسرور، وتقول: كانت الحياة في السابق جميلة للغاية، فقد كنت أتقاضى 1050 درهماً كل شهرين، لكنها كانت تكفيني وأبنائي، أما اليوم فأنا أحصل شهرياً على أربعة آلاف درهم، ولا أستطيع توفير متطلبات أبنائي الذين لم يجدوا بعد وظائف تناسبهم وتعينهم على تحمل مسؤولية أنفسهم.

 

 

البلوشي تحن إلى تلك الأيام التي كانت تعمل فيها إلى جانب عدد كبير من صديقاتها المواطنات، حيث كنَّ يذهبن سوياً إلى المدرسة في الصباح، ويتعاون على تنظيفها وترتيبها كما لو كانت بيوتهن، وتضيف: تضاءل عدد عاملات النظافة المواطنات في مدارس الدولة مع مرور السنين، بسبب اعتماد المدارس على شركات التنظيف والأيدي العاملة الآسيوية بالدرجة الأولى، وشعور بعضهن بالاكتفاء والرغبة بالاستراحة، وهذا باعتقادي أثر بشكل سلبي على مدارسنا، خاصة وأننا بتنا نسمع كثيراً عن انتشار الكثير من الظواهر الخطيرة بين الطلبة.

 

سلام الطالبات

وتؤكد حليمة البلوشي أن روتين حياتها لم يتغير منذ 25 عاماً، فهي اليوم تعمل في مدرسة آمنة بنت وهب للبنات، وعندما تصل إلى مدرستها تلك، تبدأ بتفقد المدرسة وترتيب غرف المعلمات، بالإضافة إلى تجهيز الشاي والقهوة، ويلازمها الشعور بسعادة كبيرة حينما تصل الطالبات ويلقين السلام عليها.

وفي حدود عملها تقول البلوشي إنها ليست عيناً للإدارة على الطالبات، فهي تحظى باحترام كبير من قبلهن، وتضيف: لا أتدخل بالطالبات ولا أنقل أخبارهن إلى الإدارة، ولكن في حال رأيت سلوكاً خاطئاً من إحداهن، فإنني أبادر إلى نصحها وتوجيهها بلطف، ولم يحدث قط أن تعاملت معي إحداهن بقلة ذوق أو تهذيب.

 

الأم والابنة

وفي حديث حليمة البلوشي عن ابنتها التي تدرس في المدرسة ذاتها، توضح أنها اهتمت بتربية ابنتها على احترام مهنتها وتقديرها، وتؤكد: لم تشعر ابنتي يوماً أنني مصدر إحراج لها أمام زميلاتها، بل على العكس، فهي تفخر بي وتعي جيداً الجهد الذي أبذله في الحفاظ على تماسك الأسرة، فأنا الأب والأم والظل الذي يرافقهم.

وتعلل البلوشي المصابة بمرض القلب رفضها ترك عملها بالرغم من تحذير الأطباء لها من إجهاد نفسها، بالقول: اعتدت على الحركة والنشاط كما أنني المعيل الوحيد لأسرتي الكبيرة ولأحفادي، وسأظل أعمل حتى آخر رمق، ولن أترك مكاني لأي عاملة أجنبية، لأنني الأقدر على فهم الطالبات، والأكثر حرصاً عليهن، وبلا شك فتلك الروح استمدها من انتمائي وعشقي الكبير لوطني.

 

في البيت

بعد انتهاء الدوام المدرسي ظهراً، تعود حليمة البلوشي إلى منزلها على الفور، لتباشر مهامها كربة بيت مسؤولة، وتختتم حديثها بالقول: لدينا خادمة واحدة، ولكنها ليست أهلاً للاعتماد عليها، لذا أفضل عمل كل شيء بنفسي، حيث أتولى تحضير الغداء، ثم أتفرغ لتنظيف المنزل وترتيبه، وبعدها أجلس مع أبنائي وبناتي، للاطلاع على احتياجاتهم ومناقشتها، وكم يعتصر قلبي الألم، حين أرى الحزن بادياً على ملامح أحدهم بسبب المرض أو غيره.