هل سألنا أنفسنا يوماً عما يحلم به الطالب؟ وكيف يتمنى أن تكون مدرسته؟ وما هي احتياجاته من وجهة نظره هو، لا من وجهة نظرنا نحن؟ فهو من يمضي نصف يومه بين ممرات المدرسة وفصولها، وهو من يعيش الواقع.. تساؤلات طرحتها فاطمة خلف بن غدير المسؤولة الإعلامية في منطقة عجمان التعليمية.
واجتهدت خلافاً لما هو دارج، في الإجابة عنها عبر مشاهد تمثيلية ضمن فيلم تربوي قصير حمل اسم «أماني سالم»، أبطاله طلبة يرصدون معاناتهم من سلبيات وسلوكيات ومظاهر معاشة في بيئتنا التعليمية.
في مهرجانات كثيرة تحتضنها إمارات الدولة، اعتدنا مشاهدة أفلام قصيرة اجتماعية وإنسانية عديدة، ولم تأتِ أعيننا إلا في ما ندر، على أفلام تربوية، وهو ما يضفي على هذا الفيلم بالتحديد مزيداً من الأهمية والواقعية وقد لامست مخرجته حقائق من غير الإنصاف التغاضي عنها، حيث جاء الفيلم في حدود 12 دقيقة مفعمة بالأحداث والقصص والمشاهد المؤثرة.
المشهد الأول
قبيل النوم يجلس سالم على سريره ممسكاً بلوحة وهو يطمح لأن يجسد فيها مخططاً لمدرسة المستقبل، ذلك كان المشهد الأول من فيلم «أماني وسالم» الذي أبدعت فكرته وإخراجه الإعلامية التربوية فاطمة خلف، متخذة من مدارس منطقة عجمان مسرحاً لأحداثه. تسدل الستارة، فينزل سالم وزملاؤه الطلاب من الحافلة المدرسية قاصدين يوماً دراسياً، يتداخل المشهد ويتكاثر الطلاب في الساحات، فيقرع الجرس وتبدأ الحصة.
معلم اللغة العربية يبدأ حصته بجمع الأوراق من الطلاب، وفيها تقرير كُلفوا به عن أبي فراس الحمداني، وفي هذه الأثناء يسأل طالب زميله: «الدنيا حر؟!» فيجيب: «وايد حر»، فتظهر مشكلة التكيف التي تعاني منها بعض مدارس الدولة. ثم يلتفت المعلم إلى سالم: «أين تقريرك؟
» فيجيب: «أستاذ حاولت أطبعه ما حصلت حد يوديني المكتبة، أبوي كله مشغول، والمدرسة ما فيها مكان أطبع، والتقرير معي على الفلاش»، فيرد المعلم: إذا لم تحضر التقرير مطبوعاً ستخصم منك خمس درجات، وهنا تتضح لنا مشكلة عدم توفر آلة لطباعة تقارير الطلبة ولو برسوم.
فصل الطالبات
بعد هذا المشهد تنتقل الكاميرا إلى فصل للطالبات في مرحلة إعدادية، تسأل المعلمة: من لم تحفظ القصيدة؟ ثم تبدأ الاستماع إلى الطالبات، وبينما تردد إحداهن أبيات القصيدة تتوقف قائلة: «أبلة ما أقدر أركز ولا أعرف أكمل، الصوت والضجة وايد»، فترد عليها المعلمة بخصم ثلاث درجات، ثم تتجه الكاميرا إلى جملة مكتوبة على السبورة، حول عدد الطالبات والذي يبلغ 34 طالبة، مما يؤدي إلى عدم قدرة الطالبة على التركيز في الحصة.
وحينما تقترب الكاميرا من مقصف المدرسة، تتداخل أصوات الطالبات المتزاحمات على شباكه: «ما في سندويشات ولا شي كله شيبس»، فتأتي طالبة متأخرة تبحث عن زعتر وعصير ولم تجد، وسريعاً تنتهي الفسحة فتردد الطالبات:
«نشرب ماي»، ويتوجهن مسرعات فلا يجدن الماء في الصنبور.. «الله يعينا» تقول إحدى الطالبات وهي عائدة إلى الفصل، وهنا نلمس مشكلة عدم توفر الماء أحياناً في الثلاجات، أو عدم فتح الكافتيريا في غير وقت الفسحة لشراء الماء البارد.
ساحة البنين
تنتقل الكاميرا إلى ساحة البنين، وترصد وقائع حصة رياضة.. معلم يخرج من غرفته إلى الساحة حاملاً الصافرة وينادي الطلاب: «يلا شباب الوقت خلص تفضلوا عالمي اشربوا وغسلوا»، فيتقاطر الطلاب تاركين ملعبهم «ساحة الإسفلت»، وسريعاً تتجه الكاميرا إلى مجموعة من الطلاب يمسكون كأساً وحيداً ويشربون منه تباعاً، وهذه مشكلة الملاعب المفتوحة وغير المجهزة، وسوء المرافق الصحية أيضاً.
في البيت سالم يكمل رسم مدرسة أحلامه التي يتمنى أن تتحقق على أرض الواقع، يتوقف ويحمل لوحته متجهاً إلى شقيقته أماني: «أختي أماني، أنا انتهيت من الرسم وباقي عليك التلوين»، وتعود الكاميرا ثانية إلى الساحة لترصد طلاباً يأكلون في الساحات مفترشين الأرض، وذلك لعدم توفر أماكن للجلوس وتناول الطعام في بعض المدارس.
لوحة سالم
ثم ترجع الكاميرا إلى أماني وهي تلون مع زميلاتها لوحة حلم شقيقها سالم، قبل أن تعيدها إليه، فيأخذها إلى زملائه، ويتناقش معهم في هيئة من الأحلام الطلابية الباحثة عن واقع أفضل لمدارسهم في إطار لوحة يرسمها ذوو الشأن: «ماذا بعد: مسرح، مطعم، مختبرات حاسوب، صالة رياضية، مكتبة، فصول حديثة، ومساحات خضراء.. فتأتي خاتمة الفيلم في جملة مكتوبة لماذا تقيد أحلامهم في لوحات، لنجعل اللوحة تتحول إلى واقع.
بقي أن نقول إن الفيلم حمل إيحاءات تربوية كثيرة، لخصتها مخرجته فاطمة خلف في أحاديث جانبية ومواقف عابرة وواقع ملموس، وقد ظهر الطلبة الممثلون على سجيتهم ودون تكلف، فالمتابع للفيلم لا يجد فيه تمثيلاً بقدر ما يلمس حياة الطلبة واقعاً، وذلك نتاج اجتهاد الممثلين والقائمين على الفيلم بهدف إخراج شكل تربوي يفوق التوقعات ويخالف ما هو متعارف عليه في أسلوب الطرح والنقد والطموح داخل أسوار المدرسة.