يستحضر شهر رمضان المبارك معه هذا العام، كما في كل عام، بعضاً من عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي وطقوسه المتوارثة عن الأجداد، مستدعياً من الذاكرة معارف وقصصاً تناقلتها الأجيال على مر السنين، وهي جزء من إرث البلاد الثقافي الذي حرصت الإمارات على إدراج عناصره في قائمة «يونيسكو» للتراث الثقافي الإنساني غير المادي للدولة، كطبق «الهريس» الشعبي.
يعد طبق «الهريس» نجم أطباق المناسبات الاجتماعية والأعياد والاحتفالات، هكذا انحفر في الذاكرة الجمعية للمجتمع الإماراتي، كما المجتمعات العربية باختلاف أطيافها، وهكذا بقي آلاف السنين سيد الولائم العامرة، ومن ذلك الإفطار الرمضاني، إلى أن فاضت بلداننا بتنوع الطيبات من كل أصقاع الأرض.
وقد تشاركت المجتمعات العربية في طقوس إعداد طبق «الهريس»، لتجري العادة أن تجتمع نساء القرى في الساحات حول قدر الطهي المكون من القمح المغلي المهروس باللحم، ويتناوبن على تحريكه وطهيه لساعات، وفي أثناء ذلك يغتنمن المناسبة لتجاذب أطراف الحديث وتناقل الأخبار وسرد القصص والحكايات والمزاح والضحك، بينما يتراكض الأطفال الجياع من حولهن.
وفي الماضي، كانت توزع أطباق «الهريس» على الجيران والأسر بعد طبخه، ولهذا كان مقتدرو الحال هم من يحضرون الطبق ويوزعونه على الجيران.
سبب التسمية
وعلى مر السنين، شكل هذا التقليد المجتمعي الشعبي جزءاً من تاريخ المنطقة، فأطلق العرب على الطبق تسمية «الهريس» لأن مكوناته تهرس عند تحضيره. وجاء في كتاب «لسان العرب» لابن منظور في القرن الـ8 الهجري: «الهَرِيسُ: ما هُرِسَ، وقيل: الهَرِيس هو الحب المهْروس قبل أَن يُطْبَخ، فإِذا طبخ فهو الهَريس».
وفي الإمارات، تطلبت طقوس إعداده أن يكون الوعاء كبير الحجم كي يكفي لإطعام الجيران كافة، وأن تجتمع النساء ويَضعن الحبوب في وعاء أسطواني، يسمى «المنحاز»، قبل أن يقمن بضربه بمضراب خشبي كبير، حتى تُطحن تماماً، والمهمة تتطلب جهداً كبيراً من النساء. ويقال: إن كثيرات مع الوقت فضلن دق الحب قبل طبخه للحد من الوقت والجهد في إعداد الطبق، وحسب العادات، يجب تفتيت حبات القمح تماماً لتفادي انتقادات الضيوف.
عناصر غذائية
ولا يزال «الهريس» من أطباق رمضان الرئيسة بسبب فوائده الصحية التي تعد كثيرة إذا ما تم الإقلال من وضع السمن المحلي على وجه الطبق. ويحتوي «الهريس» على الكثير من العناصر كالبروتينات والفيتامينات والمعادن والألياف، والتي تسهم في تنشيط الجسم ومده بالطاقة والمساعدة على بناء العضلات، وتقويتها، وتحسين الذاكرة، والتركيز، ويحتوي على الفوسفور والبوتاسيوم والمغنيسيوم والنحاس والزنك وحمض الفوليك، وفيتامين ب المركب، كما الحديد المفيد لعلاج فقر الدم، وعنصر الكالسيوم المهم للأسنان والعظام، وغناه بالألياف يحسن الهضم.