مع الأجواء الروحانية التي يتميز بها شهر رمضان المبارك تحلو سهرات السمر والإبداع، تسمو الروح، ويستجلي المبدعون ذكرياتهم ,ويبلورون رؤاهم ,ويستحضرون صورًا تشع إبداعًا، وربما يتحررون من قيودهم الرسمية ويعيشون لحظات سمر بلا حدود.
وعبر هذه السطور نعيش سهرتنا في ليلة سمر مع عدد من المبدعين والفنانين الذين تجمعوا في أجواء تحتشد بالإثارة ومعهم الكاتب محفوظ عبد الرحمن والفنان أحمد ماهر والفنان خليل مرسي والشاعر حزين عمر، متحدثين عن سهراتهم الرمضانية، وما يطرحونه من موضوعات ويتناولونه من أحاديث.
دور المثقف وموقفه السياسي في مصر من ثورة 25 يناير، كان محور نقاش هؤلاء المبدعين، وكانت البداية بالسيناريست محفوظ عبد الرحمن الذي قال: تعلمت أن أتابع ما يحدث ورد فعل الناس في أثناء الثورة ربما بسبب الدراما تعلمت هذا وكان ما اكتشفته أننا لدينا بعض المثقفين لم يكونوا كذلك وإنما مهتمون بما يحدث أو بجمع المعلومات لا أكثر، فالثقافة هي أن يكون للإنسان رؤية يقدمها للعالم..
أما المتحولون الذين قالوا نعم. بل زعموا أنهم كانوا جزءًا من الثورة فهؤلاء لا رؤية لهم، وقد دفعني هذا التفكير في علاقة السلطة بالثقافة واكتشفت أنها علاقة طردية، فالمثقف يريد فتح كل العقول والتيارات والسلطة تريد النظام السيئ في غالب الأحوال؛ لذا علينا كمثقفين نبذ العزلة والانخراط في كل التجارب والعمل العام حتى لا نعود للمعاناة التي مررنا بها كمثقفين من منع وسجن وإن كنت أنا على المستوى الشخصي قد استمتعت بمعاناتي؛ لأني لم أتخلَ عن موقفي ولن أفعل، وعلى ذلك فدور المثقف مهم وخطير؛ لأنه من القوى الناعمة التي تستطيع أن تغير في المجتمع دون اللجوء للعنف.
ويواصل عبدالرحمن: علاقة المثقف بالسلطة منح ومنع.. ثنائية وقع فيها معظم المثقفين المصريين ,ممن يقع في دائرة السلطة وقع ومن يرفضها يهمش، وكانت سطوة الحاكم دائمًا قادرة على قمع المثقفين أو الهيمنة عليهم وهيمن من وقفوا داخل حظيرة السلطة على وزارة الثقافة والمؤسسات وهؤلاء قاموا بتخريب العقل المصري بزعم من الحكومة، ولهذا تجد العقل والوجدان المصري إلا قليلاً هؤلاء المخربون من يركبون الموجة الآن.
ويتدخل في الحديث الشاعر والمفكر حزين عمر بقوله: الثلاثون عامًا الأخيرة تركت بصمات مؤكدة على نواحي الحياة من ضمنها المجال الثقافي ولكي ننهض به لابد من تغير السلبياتِ ونأخذ على سبيل المثال الجوائز والمؤتمرات والسفريات التي توزعها وزارة الثقافة ,على من لا يستحق ومن يستحق، وقد تمنحه الجائزة رغم يقينها برفض المجتمع الثقافي له, ولكنها سياسة الدولة التي ترسب في أعماق كل مثقف بؤرة من التباعد فنحاول أيضًا أن تجرنا لمصلحتها، ولهذا علينا بالمقاومة وتشكيل مجموعات للعمل ووضع إستراتيجيات تضع منهجًا لمسيرة الثقافة.
ويتفق الفنان خليل مرسي مع رأي حزين عمر، موضحًا أنه لفترات طويلة كان مطلوبًا إبعاد الفنان والمثقف الحقيقي عن المواقع القيادية؛ لذا علينا الآن بناء البنية التحتية لنقيم حياة هي تختلف عما كنا عليه وأن نضع الرجل المناسب في المكان المناسب وبمقدار علمنا أن الفنان والمثقف له رؤية في حياته وحياة الآخرين.
ويضيف الفنان أحمد ماهر:ان ثورة 25 يناير تشبه إلى حد كبير الثورة الفرنسية. وأرى أن أهم ما يجب أن يؤمن به المثقف هو ترسيخ مفهوم الأخلاق، وهذا هو دور المثقف أن يقوم بنشر التوعية من خلال ندواته وكتابته ووجوده على الساحة.
ويعود محفوظ عبد الرحمن ليقول: من هو المثقف هذا؟.. سؤال مطروح يجب علينا بلورته؛ لكي يمكن أن نحاسبه، ومن هو المبدع؟، بل ومن هو الفنان ؟وهل يشترك المبدع والمثقف في السياسة الثقافية؟،وعلينا أن نطرح هذه الأسئلة حتى نعرف مدى امكانية أن نصوغ العلاقة بين المثقف وهيئات الثقافة. وعلينا أن نعيد دور المثقف وأن نحدد هويته داخل بلده حتى ينطلق للخارج.
تدمير العقول
ويضيف الشاعر حزين عمر، وجب علينا الفعل الآن، فالدور الملقى علينا ككتاب ومفكرين بدأ بالفعل، لقد انخرط المثقف في الثورة كأحد عناصرها ولكن هناك دورًا مهمًا خاصة في القرى والنجوع، فالناس التي لا تقرأ لا تعي الدور المنوط بها، ونحن نعلم ما يقدمه الإعلام. فنحن أمام أزمة لتدمير العقول وكأن شيئًا لم يكن، ولهذا وجب إصلاح المؤسسة الثقافية ليعود دورها القديم ، لابد من هذا حتى يخرج الرجل البسيط من الحيرة والتوهان التي يعانيها.
ويعود الفنان أحمد ماهر للقول: لقد بدأت الثورة قوية ثم أخذت تضعف، ولعل قوتها كانت في المفاجأة التي وقعت عبرها وتعامل الحكومة السابقة معها حتى الآن، ولهذا يجب على الإعلام أن يعرف الرجل العادي بماهية الثورة وأن يناقشه لا يملي عليه، يجب أن تدور ندواتنا في حجرات مفتوحة لا مغلقة، وعندها سيزدهر المجتمع.
ويلتقط حزين عمر طرف الحديث ليقول: وزارة الثقافة بها سلبيات شأنها شأن كل قطاعات الثقافة في الدولة ويجب إصلاح الوزارة حتى نستطيع صياغة وهيكلة قطاع مهم من قطاعات الدولة، ولكي تبنى بطريقة صحيحة لابد من أن نعيد الضمير إلى المواطن المصري أولاً، وأعتقد بأن عملية التوعية لها دور بارز في إدماج المواطن المصري البسيط في الأطروحات الثقافية المختلفة والإعلام والصحافة لهما دورهما في دفع المثقف إلى الساحة.