من قيض له أن يعيش في كنف زايد لا بد أنه أصبح محيطاً لا ينضب بالأفكار وحب الناس وهذا ما كان ليتأتى لولا اجتهاد الرجل وسعيه الدؤوب لأن تكون الإمارات بوابة العالم العربي كتجربة وحدوية على العالم خطوط استقاها من المغفور له الشيخ زايد الذي لم يفوت فرصة من حياته العامرة إلا وسعى من خلالها لتوحيد الصف العربي ومد يد العون للشقيق والصديق، والذي سخر إمكانيات الدولة بما حباها الله من خيرات لخدمة قضاياه العادلة، لذلك لا ينفك عبد الله النويس عن الحديث الدائم عن شخص زايد والتجربة الفريدة التي تعلمها منه كإعلامي مدللا على ذلك بأن بعض مانشيتات الصفحات الأول في جريدة الاتحاد كان المغفور له زايد هو الذي يضعها ويشرف عليها، وكم مرة قال له «ارحم نفسك فيرد ضيفنا عليه يا طويل العمر ان الوقت لا يرحم». في هذه الحلقة نسلط الضوء على الجوانب العروبية والوحدوية التي عايشها ضيفنا في مدرسة زايد المؤسس.

ذكريات حميمية

لضيفنا اليوم علاقة رائعة ولقاءات متكررة، مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله»، بحكم عمل النويس كوكيل لوزارة الإعلام ومشرف مباشر على جريدة الاتحاد والتلفزيون والإذاعة، عن طبيعة العلاقة بين فقيد الوطن ووسائل الإعلام، يقول الدكتور النويس: أقول شيئاً للتاريخ والإنصاف؛ لم ينهض الإعلام الإماراتي ولم يتطور ويبرز ويكسب الشخصيات المستقلة، إلا بجهد وتوجيهات الشيخ زايد «رحمه الله».

خطوط زايد السياسية والإعلامية

الخطوط أكثر من ثلاثة ولكن يمكن أن نتكلم عن ثلاثة خطوط، الأول كان مصلحة الوطن العليا الذي كان يترجمه ويجسده الشيخ زايد وبدون حدود والإعلام عنده رئة يتنفس منها الهواء النقي، وكان المغفور له يدفع وبلا حدود باتجاه هذا الإعلام النقي، مصلحة الوطن العليا كانت خطاً من خطوط أجهزة الإعلام وبث الروح الاتحادية التي كانت الملجأ الأول والأخير لهذا الوطن من السلع حتى الفجيرة، كانت أمنيات الوطن أن يتوحد ويصبح أرضاً وشعباً واحداً له كلمة واحدة ووجهة واحدة وأمل واحد وطموح واحد وإنجاز واحد، كان المغفور له الشيخ زايد يمسك بهذه الخيوط ويوصلها إلى غازلها الحقيقي والحرفي الذي عمل هو وإخوانه هذا الاتحاد العظيم والذي أصبح مفخرة لكل عربي وإسلامي أو عالمي، فأصبحت قضية الاتحاد فخر الإمارات.

الخط الثاني: كيفية إحلال السعادة بدل البؤس والهناء بدل التخلف والتقدم بدل التأخر والحضور للشخصية الإعلامية بدل النسيان، والتناثر والبعد عن الميدان الحقيقي.

ومن سمات هذا الخط إبراز هذه الشخصية وحضورها عالمياً كشخصية سوية بعيدة عن التقلبات والأمراض النفسية والأمراض التي تكره بها بعض الشخصيات لبعض الدول.

كانت خطة الشيخ زايد وإخوانه أن تصبح الشخصية الإماراتية مقبولة ومحبوبة لدى المجتمع الخليجي والمجتمع الدولي، وقبل ذلك يجب أن تكون مقبولة ومحبوبة في الوطن نفسه، فكانت خطة الإعلام تقدم الشخصية بهذه السمات الجليلة عالية المستوى والقيمة.

الخط الثالث: العمل على الحصاد الجيد، كيف تستطيع هذه الأمة اصطياد النجاح من أي مكان، وبأي مكان وبأية خطة وبأية واسطة وأية شخصية، وما موجود بالإمارات هو نتيجة وعي القناص باصطياد النجاحات من كل العالم، فنجد على أرض الإمارات من أقصاها إلى أقصاها نمطاً جديداً من الإدارة والإنجاز والإبداع والفرحة بالانضباطية العالية من النجاح الذي حققه ابن الإمارات.

كل الدول أشقاؤنا

كنا نخضع لسياسة واحدة وهي أن كل الدول العربية شقيقة وأبناءها إخوة لنا، بل على العكس بعض الدول التي بيننا وبينها مشاحنات حدود كان الشيخ زايد يبذل الغالي والنفيس لكسر هذه الخلافات ودحر الجفاء وضحى بكثير من الأشياء في سبيل أن تكون دولة الإمارات دولة محبة سواء في الحدود أو بالعمق أو بالقرب أو بالبعد.

تجارب وحدوية فاشلة

ولم تدم وحدة عربية أكثر من ثلاث إلى أربع سنوات، فكان لا بد من تقديم الفكر الاتحادي كفكر مصيري لهذه الدولة ولا بد من التبشير لهذا الفكر تبشيراً منطقياً، معتمداً على الرغبة والواقع وليس الأفكار المقروءة والمكتوبة، وعندما أتانا الرئيس الجزائري بن بلة إلى هنا دار حديث بينه وبين الشيخ زايد سأله لماذا الوحدة بين مصر وسوريا العام 1958 انفكت ولم تدم والوحدات بين الدول العربية والأمل الكبير المنشود الذي كان ينادى به وهو وحدة الوطن العربي لماذا فشلت رد بن بلة قائلاً: يا سيادة الرئيس فشلت لأنها كانت تعتمد على القوى والمخابرات ورغبات بين أشخاص داخل غرف مغلقة.

فقال له الشيخ زايد صدقت لأن الاتحاد أو الوحدة لا تقوم إلا بالإقناع أو الاقتناع ولا تقوم إلا بالرضى والتراضي ولا تقوم إلا بالمنطق الملموس ولا تقوم إلا بالإنجاز الذي يهم الشعوب ولا تقوم بالسياسة فقط، يجب أن تسبقها مراحل أخرى تمهد الطريق لنجاح العامل السياسي قبل أن تدخل بالسياسة ادخل بالاقتصاد.. ادخل بالحميمية بين الشعوب، ادخل بين مصالحها، لكسر الحواجز بينها وادخل الطمأنينة إلى قلوبها وأشعرهم بالأخوة الحقيقية، الأخوة غير المفروضة، الأخوة التي يحتاج فيها الشخص للآخر ويحتاج الزارع للصانع ويحتاج الصانع للمصدر، ويحتاج المصدر للشركة التي تشتري في القطر الآخر، وكان حديثاً مشوقاً بين صانع وحدة حقيقية وهو المغفور له الشيخ زايد وبين مؤمل بالوحدة الخيالية وهو الرئيس الضيف.

جريدة الاتحاد بوابة الإعلام

واجهت الجريدة أيضاً نوعاً من التحدي بداية وتم إصدارها نهاية 1969، ولكن بدايتها الجيدة عندما طبعت في أبوظبي وتسنت لنا مطبعة ابن دسمال وهو أول من غامر ببناء المطبعة والتقت طموحاته مع طموحاتنا، وبدأت الاتحاد تطبع بشكل أسبوعي، ثم تحولت إلى 6 أيام في الأسبوع، ثم تحولت إلى شكل يومي.

ومازالت وبدت هذه الجريدة تنبض بما تجيش به نفوس المواطنين وتترجم هذا التلاحم بين القيادة والشعب وأصبحت فيما بعد علامة وركيزة من ركائز الإعلام المقروءة وأصبحت وكالات الأنباء والصحف والإذاعات تأخذ منها على أساس أنها مصدر إعلامي موثوق وذو مصداقية.

مصداقيتنا أساس النجاح

كانت وكالات الأنباء تأخذ جزءاً من أخبارها الجديدة من برنامج كنا نعده، حتى انه كان رئيس أي دولة يعطي أخباراً جديدة في هذا البرنامج وهذه الأخبار لم تكن معروفة أو مصرح بها قبلاً، فكان يمثل هذا البرنامج جزءاً إخبارياً وجزءاً تعريفياً عن هذه الشخصية، شخصية الرئيس ونظرته العربية والتنموية في بلده والمشكلات التي تواجه الوطن العربي.

الإعلام والمساعدات الإنسانية

الإعلام ترجم هذا العطاء بعدة أشياء وعدة طرق منها تسليط الأضواء على البلدان التي تمت المعونة لها في إفريقيا السوداء وإفريقيا البيضاء في آسيا الفقيرة وفي آسيا الإسلامية في كل بقاع الأرض كانت له لمسة أما في العقيدة وأما في الإنسانية فإنه إذا لم تكن هناك واسطة عقائدية كانت هناك صلة إنسانية وكان الناس يشعرون ويحسون بهذا الأمر.

أنماط الإدارة

كان عندي نمط من أنماط الإدارة اسميه الحزم المحب أو المحب الحازم كانت علاقتنا مع بعض أسرية وإنسانية ولكن كان فيها حزم شديد عند تخطي أي خطوة نحو المرابع أو الخطوط الحمراء فورا يأتي الحزم للمسك بالمتخطي لهذه المرابع ويعيده إلى داخل المربع وهذا الموضوع أو هذا النمط كان ضروريا ومهما لأنه لم يكن عندنا وقت أو متسع للأخطاء. فكان كل همنا أن نختصر من الأخطاء ونزيد من مساحة الصح، وهذا يحتاج جهداً وتوافقاً أوما يطلقون عليه الــ «هارموني» بين الفريق وهذا يؤدي إلى ضرورة حسن اختيار العنصر الإعلامي وهذا ما كنا نقوم به وكنا نجتهد كي نصل إليه.

الإعلامي المواطن

العنصر الإعلامي المحلي كان له خطط لتنميته وتقديمه إلى الحديقة الإعلامية لأن الإعلام مهنة صعبة مهنة تصادر الحرية وتصادر التفرد الشخصي في حياته وأسرته كان العمل يواصل بعضه بعضاً ليل نهار العمل في الإعلام صادر لنا حريتنا الأسرية والشخصية والوقت الخاص. لكن بعض العناصر كانت مدفوعة بهذا الحب والعشق للإعلام وكانت تفضل هذه المهنة على أي مهنة أخرى.

 

زايد والتأريخ

 

الشيخ زايد يريد حقبة من الزمن مفرغة ومخصصة له حتى نكــــتب عنه وحتى يعرف الناس بما كان يفكر هذا الإنسان وماذا قدم إلى آخر لحظة من عمره ماذا قدم لهذا الشعب وفي صمت ودون إعلان وطنطنة، كان يسعده سعادة شعبه، تسعده سعادة الخليج، تسعده سعادة العرب، وتسعده سعادة الإنسانية جمعاء.

 

مغريات للعمل

 

 

العنصر الإعلامي المواطن والوطني كان كثيراً يراعى وكثيراً كانت تعطي له حوافز وتعطي له رغائب حتى يقترب إلى هذه الساحة ولا يبتعد ولا يخاف منها.

اهتمام

دورات تعليمية وتثقيفية

 

كانت عندنا دورات متعددة وكانت حوالي عشرين دورة لتخريج إعلاميين مواطنين وخرجناهم في الصحافة ووكالة الأنباء والإذاعة التلفزيون، ولكن الاحتياج أكثر أي الطلب أكثر من العرض وهذا ما جعل خللا في المطلبين الخلل بين العرض وبين الطلب، والى الآن طبعا ترانا كل يوم نرى وجها إعلامياً مواطناً جديداً لكن كما أسلفت المحطات تزيد والأعمال الإعلامية تزيد وملاحقة الإعلامي المواطن لهذه المطالب فجعلنا لا نستطيع الحصول عليها بين يوم وليلة لذلك لابد من الوقت ولابد من الصبر على هذه النقطة.

توجيه

زايد والصحافة

 

كان «رحمه الله» يوجه دائماً بأن (الصحافي الحقيقي هو الذي يعي مسافات الحرية، ويعي مساحة المسؤولية) كما كان له «رحمه الله» تعبيراً جميلاً يقول فيه (ان الحرية الممدوحة هي الحرية المسؤولة، أما الحرية المتهورة فهي تؤذي صاحبها قبل أن تؤذي الآخر) وكان الإعلاميون يتعطشون لسماع توجيهاته الأبوية التي صنعت أجهزة الإعلام الإماراتية، صناعة أخلاقية من أروع ما يمكن. تأثير

لا أجامل

 

أنطق بهذه الكلمات دون محاباة أو تملق، لأنها حقائق تقال، وما زاد من دعمه الكبير للإعلام، هو فهمه «رحمه الله» لقدرة الإعلام على التأثير والتغيير، وهذا الفهم متقدم جداً على غيره من القيادات في ذلك الزمن، فكانت الكثير من «المانشيتات» في الصفحة الأولى للاتحاد ـ وأقول ذلك للمرة الأولى ـ كانت من وضعه «رحمه الله»، كذلك فإن 90% من افتتاحيات الجريدة من أفكاره «رحمه الله» رغم أني أكتب تلك الافتتاحيات.

سياسة

دورنا تصالحي

 

كانت أجهزة الإعلام تتحسس من قريب أو بعيد الرغبات التي ينادي بها الفكر القيادي ونترجمها إلى عمل، يعني قضية الرئيسين التي صالح بينهما تلفزيون أبوظبي أو بالأحرى تلفزيون الإمارات من أبوظبي كان الاعلام يؤمن أن دوره التصالح وهو الالتقاء وليس التباعد والتفرق وهذا كله ليس موجها ولكن كما قلت قرب الإعلام من القيادة كان يعرف انها أماني القيادة فنترجمها وننجح وننجز ايجابيات ونبتعد به عن سلبيات نحن في غنى عنها والأمة العربية كذلك بغنى عنها.

حرص

زايد مواقف وأفعال

 

كان الشيخ زايد يردد مقولة «نحن أمة تؤلف وتوحد ولا تفرق» أي شيء يفرق بين الامة العربية لا نأتي عليه باعلامنا، والمشاحنات والمخالفات والتفارق هذا لا نأتيه ولا يدخل في أدبياتنا الإعلامية، بل نحن شعب وحدة ودولة تشهد الوحدة في كل ادبياتها وتحركاتها السياسية والأخلاقية والمعنوية وحتى الاقتصادية فنرى أن نظرة الدولة للاقتصاد نظرة تكاملية وليست نظرة تنافرية، كانت الحقيقة في الصدور والعقول مشحونة بهذا الفكر الاتحادي التوحيدي، وهذه كانت ابرز المفاصل التي تفصل بين الإعلام الإماراتي والإعلام الآخر، وما سهل الأمر ان الإعلام كان قريبا من القيادة وكان متفهماً لفكر القيادة. وكانت القيادة تحدب وتعطف على الإعلام فكان بصراحة ابنها المدلل.