الحديث عن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في ذكرى رحيله عن دنيانا ليس مجرد وقفة مع الذكريات، ولا محطة نسترجع فيها ما فات، لأن الراحل الكبير هو الغائب الحاضر دوماً في كل أرجاء الإمارات فاسمه الكريم يتردد على كل لسان وفي كل مكان، والكل يتذكره بعمق ووفاء وامتنان طوال العام وفي كل الأعوام.

زايد - طيب الله ثراه لم يكن مجرد حاكم امتلك القوة فحكم، بل هو قائد دانت له السلطة فعدل، وامتلك الثروة فسخرها من أجل سعادة مَن حكم.

زايد الخير، وإن كان منذ سنوات تحت الثرى، إلا أن كل معالم الحياة من حولنا وكل نجاحات بلادنا هي شواهد تنطق بما حققه راحلنا العظيم، ليعيد صياغة حياة البشر وطبيعة الأرض فوق ربوع إماراتنا.

في هذا اليوم نقدم صفحات من كتيب أعده للنشر الزميل الإعلامي محمود علام تحت عنوان: «زايد في العين» وقد اختار المؤلف أن يجعل من الكتيب «رسالة إلى كل أجيال الحاضر والمستقبل» كما يشير العنوان والمضمون.

في هذه الصفحات قبسات من نور السيرة، تعرض لقطات من المسيرة التي انطلقت من «واحة العين» حاملة ملامح شخصية قائد مكنته الحكمة من أن يصوغ فوق رمالها أحلامه فتنبت منها آماله ويختط بها دربه فيصبح في حياته عين الوطن وعقله وقلبه، ويبقى بعد مماته في ذاكرة الأرض والبشر رمزاً للخير والعطاء.

حين فكرت أن أسطر كلمات من وحي الإمارات، وطني الثاني، الذي يحتضنني منذ عقود، جال في خاطري أن أقدم رسالة مفتوحة إلى كل أجيال الحاضر والمستقبل، أجمع فيها سطوراً من سفر كبير لمسيرة زعيم وقائد ورب أسرة وصانع حضارة ونهضة، وأقدم فيها لمحات من سمات وصفات اجتمعت معاً في شخص زايد الخير شيخنا الكبير وحكيم أمة العرب، ومؤسس أعظم بنيان في دنيا الوحدة في العصر الحديث، ومهندس التنمية الوطنية الشاملة، وراعي الأجيال في كل أنحاء إمارات الوحدة والنهضة.

وحين أقدم هذه الصفحات عن زايد وحياته في العين، فإن ذلك يعود إلى أن المدينة تحمل بصماته الأولى، حيث شهدت بدايات قيادته التي حملت الخير إلى كل أرجاء الإمارات التي قادها في حياته بحكمة وإخلاص، والتي لا يزال قلبها، ورغم وفاته من سنوات، ينبض باسمه بكل الحب والتقدير.

من العين بدأ

من عين المنطقة الشرقية بإمارة أبوظبي بدأ، بعد سنوات من مولده في ذلك اليوم الذي حمل اليُمن إلى وطنه وأمته، ومنها انطلق ليصبح طيب الله ثراه هو عين الوطن، وملء عيون كل مواطنيه، قائداً ورائداً وأباً حانياً.

وتعالوا يا أجيال الحاضر والمستقبل، نقترب من فكر القائد منذ النشأة والميلاد، حتى قيادة الاتحاد في مسيرة طويلة رافقتها الإرادة، وصاحبها الجهاد من أجل أن تزهو بلادكم وتفاخر بأمجادها بين الأمم والبلاد.

الإنسان والمكان والزمان.. ثلاثية لا يختلف أي منا حول أثرها العميق في مسيرة الأوطان، وهي هنا باختصار حكاية القائد زايد رحمه الله، مع مدينة تحولت على يديه إلى بستان، وأصبحت بفضل جهوده علماً تعرفه كل الأنحاء في عالمنا اليوم، وتقدره كل شعوب الدنيا في مشرقها أو غربها، وفي كل الأركان.

في مسجد العين

في قلعة الحصن بأبوظبي كان مولد نجم السعد بمجيء زايد الخير، بطلعته البهية وملامحه الحادة وعينيه اللامعتين، فرأى فيه الأب شبيهاً بذلك الجد العظيم زايد بن خليفة آل نهيان المعروف بـ «زايد الكبير» والذي كان إبان حكمه لإمارة أبوظبي فارساً مهاباً صنع لقبيلته «بني ياس» أمجاداً، وكان الإيمان هو مصدر قوته في نشر الأمن والسلام في ربوع المنطقة آنذاك.

في سن الصبا وعندما بلغ الثامنة تمكن زايد من حفظ خير زاد للبشر وهو القرآن الكريم، وأصبح قادراً على استظهاره عن ظهر قلب في إجادة وإتقان.

وعندما تجاوز سن السادسة عشرة، وتحديداً في عام 1934، ارتبط زايد بشخصية عظيمة جعل منها قدوته، فأثْرت حياته وأثّرت فيها تأُثيراً عظيماَ وعميقاً صاحبه طوال حياته.

كان الزمان هو عام 1934 أما المكان فهو مسجد مدينة العين، والمناسبة جليلة وهي ميلاد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، عندما وقف عالم فاضل على المنبر ليلقي حديثاً على الحاضرين مفسراً وشارحاً الآية الكريمة «وإنك لعلى خلقٍ عظيم» ومعدداً مناقب خاتم الأنبياء والمرسلين رسول الهدى وبشير الرحمة الداعي إلى الحق والإيمان.

انطبعت في ذهن «زايدنا» تلك الآية القرآنية الكريمة التي رددها الشيخ الفاضل وهي «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» ومنذ تلك اللحظة أصبح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة التي اقتدى بها زايد الخير في كل مراحل عمره ، فملكت عليه حياته وأمدته بالحكمة وأهلته لأجل الأعمال وأفضلها.

فوق جبل حفيت

كان زايد في صباه عاشقاً لواحدة من أشهر الرياضات العربية الأصيلة ألا وهي رياضة القنص والصيد بالصقور، التي أصبح خبيراً في أصولها وآدابها وفنونها إلى درجة أنه أصدر عنها كتاباً عام 1976 بعنوان «رياضة الصيد بالصقور».

وفي شهادة تؤكد هذا العشق فإن عبدالله غانم معلمه في صباه قال: كان الصبي أي زايد الخير يصعد إلى جبل حفيت في مدينة العين لقنص الغزلان في إصرار عجيب ومثير للدهشة، فقد كان مغامراً وشجاعاً يركب الأخطار ولا يعرف الخوف، لقد كان أشجع مَن عرفت من الصبيان، ولم يكن يهتم مطلقاً بحرارة الجو أو برودته.

أما زايد فيقول في كتابه: «القانص يوصف دائماً بالزهد، وهو حينما يذهب إلى رحلة صيد يجد في ذلك مغامرة بين أهله وعشيرته، وحينما يعود غانماً بالطرائد يجد في ذلك كثيراً من الزهو بين الرفاق وأهل العشيرة».

والذين يعرفون زايد، فإن بساطته وتواضعه وزهده وحكمته واتزانه وصبره وتساميه وتسامحه، صفات اكتسبها من خلال هوايته، وعززتها فيه فطرته النقية.

شجرة المويجعي

في أوائل عام 1946 تحول زايد إلى مصدر سعادة لرعيته عندما أصبح ممثلاً لحاكم أبوظبي في المنطقة الشرقية، وحاكماً لمدينة العين وقراها السبع. كان المجلس المفضل لزايد في تلك الفترة تحت ظلال شجرة خارج قلعة المويجعي، مقر حكمه وسكنه آنذاك، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: هل يمكن أن يمتد ظل شجرة ليظلل وطناً بأكمله؟ الجواب بكل تأكيد: نعم، فقد جعل زايد ذلك حقيقة وواقعاً.

من ظل شجرة المويجعي انطلقت أحلام زايد، وآماله أصبحت واقعاً بعد سنوات، عندما منّ الله على البلاد بالثروة فتوفّرت الإمكانيات.

مؤلف كتاب «مغامرة في الجزيرة العربية» النقيب شبرد الذي كان مسؤولاً عن كشافة ساحل عمان في منطقة العين، يقول عن القائد زايد: كان رجلاً يحظى بإعجاب وولاء البدو الذين يعيشون في الصحراء المحيطة بواحة البريمي.

من المؤكد أن هذا الإعجاب والولاء يعودان إلى الحياة البسيطة والمتواضعة التي تمسك بها زايد وأصبحت فيما بعد سر تفوقه وحب الناس له في وطنه وخارج حدوده أيضاً. أما الذين اقتربوا من زايد فإنهم يعرفون أنه بطبيعته رجل بدوي يتصف بكل صفات البدو من ذكاء وقوة تحمل وصبر وبعد نظر، علاوة على الحب الكبير للصحراء وعادات أهلها.

ومن المشاهد التي لا ينساها أهل العين الذين عاش بينهم طويلاً، ذلك المشهد الذي يتكرر كثيراً في مجالسه عندما يأتي رجل من أهل الصحراء ويتوسط المجلس واضعاً يديه على عصاه ومنادياً بصوت عالٍ: حياك الله يا زايد.. إن هذا المشهد وحده يجسد كل المعاني والصفات التي حملها في نفسه الكبيرة وفي مقدمتها التواضع، كما أن هذه المشاهد المتكررة تؤكد مدى الحب المغروس في نفوس أهله وعشيرته وأبناء وطنه وأمته تجاه رجل تنطوي نفسه على أسمى صفات البشر من كرم وسخاء وجود، فلم يُعرف عنه مطلقاً أنه ردّ لإنسان حاجة، أو أنه قصّر تجاه أي إنسان في مطلب أو واجب.

لقد أحب زايد البدو فأحبوه وامتلك الذكاء فقدروه، وعاملهم بود فاحترموه، وعاش بنفس طبيعتهم فاختاروه برضا وقناعة مرجعاً لهم وقائداً لجموعهم.

ومما يذكر في هذا الصدد ما كتبه المؤرخ كلارنس مان في كتابه «البدو» إذ قال: «إن الشيخ زايد هو الرجل القوي في منطقة العين وضواحيها، وإن البدو يحترمونه، مما يرشحه مع قدرته السياسية إلى أن يكون رجل البلاد المنتظر». وقد كان زايد بالفعل هو الرجل المنتظر وبمعنى أدق هو الرجل الذي جاء في موعده مع القدر، ليصنع لشعبه أطيب حياة ويحقق لهم كل حلم منتظر.

الخضرة.. نتاج الاستصلاح

الماء يضمن الحياة لكنه لا يصنع الحضارة.. تلك كانت قناعة زايد بعد أن وفر حق السقيا لشعبه دون مقابل، ووفر لهم الماء بأفضل مما كانوا يأملون.. ولأنه رجل الإصلاح فقد شجع رعيته على الاستصلاح، أي استصلاح الأرض لتصبح مخضرة ومنتجة ومزدهرة؛ وقد كان.. فقد أطلقها مدوية تملأ كل الأسماع: «أعطوني زراعة.. أضمن لكم حضارة».

ولم تمضِ سنوات حتى تحولت رمال الصحراء من صفرتها إلى اللون الأخضر، تزهو به «العين» الآن، وتسعد بعد أن أصبحت واحة غناء سخية العطاء.

«النهيانية».. نور العلم

«إن العلم والتعليم بصر للإنسان يهديه طريقه في الحياة»، تلك مقولة من مقولات القائد ودرة من درر أفكاره وقناعاته. ولأن زايد الخير يقرن دائماً أقواله بالأفعال، فقد وجه جل اهتمامه وعظيم جهده نحو التعليم. 1959 هو العام الذي افتتحت فيه المدرسة النهيانية التي بناها القائد بجهوده الذاتية وأنفق عليها من ماله بكل سخاء كي يتعلم فيها الأبناء.

ومما يحكى في هذا الشأن، أن القائد زايد كتب في تلك الفترة البعيدة رسالة إلى مسؤول بإحدى وزارات التربية والتعليم في دولة عربية شقيقة، يطلب فيها إيفاد عدد من المعلمين للعمل بالمدرسة التي أنشأها لأبناء المنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي.

 وجاء الرد بعد أسابيع وسطوره تقول: «أرجو تحديد موقع الإمارة والمنطقة الشرقية» وهذه السطور تشير إلى أن المنطقة بأكملها كانت في ذلك الحين منسية، وها نحن اليوم نعلنها قوية: من يسأل الآن عن أبوظبي والمنطقة الشرقية، فإن إجابات الملايين في شتى أنحاء الكرة الأرضية ستأتي سريعة وعفوية، فالنهضة سادت كل الأرجاء، والبشر من كل الأجناس يعرفون أنكم أصحاب أشهر تجربة تنموية في تاريخ البشرية يا أبناء الإمارات.

 

من أقوال زايد

 

«كان الخبراء لا يشجعون الزراعة ويقولون إن نموها في أرضنا ووسط هذا المناخ أمر مستحيل، وقلت لهم: دعونا نجرب. ووفقنا الله، ونجحنا في تحويل منطقتنا الصحراوية إلى منطقة خضراء. مما شجعنا على الاستمرار»

«إن الإنسان في عصرنا الحاضر يقضي نصف عمره في مسكنه، وثلثه في مكان عمله، والباقي متحركاً فيما بينهما، ولابد أن يكون لهذه البيئة التي نعيش فيها حظ من الاهتمام والعناية والرعاية، حتى يجد فيها الإنسان راحته النفسية وكل متطلباته المعيشية وسكنه الصحي».

«إن منطقتنا وعاداتنا تختلف عن المناطق الأخرى، فالمجتمع هنا مجتمع إسلامي محافظ جداً على دينه وتقاليده وعاداته وتراثه الإسلامي، ولذلك يجب علينا مراعاة كل العوامل والقيم الإسلامية والاجتماعية والظروف المناخية السائدة في هذه المنطقة».

«لقد علمتنا الصحراء أن نصبر طويلاً حتى ينبت الخير، وعلينا أن نصبر ونواصل مسيرة البناء حتى نحقق الخير لوطننا».

«إن تفكيرنا الدائم في الماضي وعظاته، وتفكيرنا في الحاضر وآماله، وتفكيرنا في المستقبل وتطلعاته المشرقة، هو الذي سيقودنا دائماً إلى بناء وطننا وتقدمه ونهضته».

الشباب هو الثروة الحقيقة، وهو درع الأمة وسيفها، والسياج الذي يحميها من أطماع الطامعين».

التقدم يغير أشياء كثيرة، يغير المستوى الاقتصادي، ويغير حركة البناء إلى الأفضل. التقدم يعني بناء المدارس والمستشفيات، والمشروعات الزراعية والصناعية، ويغير أوضاع الأفراد إلى مستوى لائق. لكن هناك أشياء أساسية لا يغيرها هذا التقدم، هذه الأشياء أساسية مثل الدين والتقاليد والأخلاق، هذه لا يمكن أن تتغير».

 

الجامعة.. المستقبل

من الحلم الذي تطويه النفس في أعماقها وفق ظروفها وإمكانياتها إلى الواقع المشرق الذي يظلل اليوم حياتها.. تأتي جامعة الإمارات في مدينة العين لتكون ناطقاً رسمياً بلسانها. ففي ذات يوم، وكان القائد بين جماعة من الأهل والصحب جاش الأمل في نفسه، فأفصحت عنه الكلمات التي انسابت فوق لسانه مفعمة بالتمني أن يتحقق للنفس ما تصبو إليه. على الرمال وضع القائد بعصاه إشارات لبعض مواقع يتمنى يوماً أن يقيم فوقها مشروعات النهضة ببلاده، وكانت جامعة الإمارات إحداها إن لم تكن أهمها بل وفي مقدمة الأولويات.

وتمضي السنوات؛ وفي الموقع نفسه الذي حدده القائد فوق رمال الصحراء، يتحقق ذلك الحلم الكبير بإقامة جامعة للأبناء تحتضنهم وتقدم لهم العلم والمعرفة بغير حدود. وها هي الجامعة اليوم تجمع كل شباب الأرض الطيبة، بعد أن تخرج منها الآلاف، وهم الآن شركاء بسواعدهم وعقولهم في الحفاظ على إنجازات الوطن الرائد في ظل ما صنعه إبداع وطموح القائد.