تضرب رياضة الصيد بالصقور جذورها في الشرق ، وما من مكان يشهد حماسا وحرصا على ممارسة هذه الرياضة العريقة أكثر من الساحل المتصالح، حيث يبدأ موسم الصيد في الخريف ولا يغفل الصقارة طرفة عين عن الصقور التي يعهد بها إليه لرعايتها، الطيور الجديدة تصبح سريعا في حالة ألفة مع ممارسي هذه الرياضة العريقة.
وبينما يحري تدريب الصقور على القنص ، فإنه يتم ربط قوائمها بخيوط قوية تستخدم خصيصا لهذا الغرض، ويحرص الصقار على تغذيتها بنفسه، وفي وقت لاحق عندما يمكن الاعتماد عليها والوثوق بأنها ستعود إلى صاحبها عندما يناديها، فإنه يسمح لها بالانطلاق في الفضاء الرحب، أما إذا لاذ أحد الصقور بالفرار، فإن حمامة وهي الطريدة المفضلة لديه، تستخدم لاجتذابه من جديد.
الانطلاق إلى القنص
أخيرا يحل اليوم الذي سيتم الانطلاق فيه للقنص بالصقور، ويندفع أحد أبناء القبائل إلى المدينة ليبشر الحاكم بأنه قد رصد أثر الطرائد، التي غالبا ما تكون من طيور الحبارى ، في الرمل. وفي التو تسود موجة من البهجة، ويتم اختيار أعضاء الجماعة المنطلقة للقنص بعد تقديم مكافأة للبدوي الذي جلب البشرى، وتنطلق الاستعدادات ويمضي الحاكم ومن بصحبته نحو الأفق تتبعهم سحب من الغبار تشير إلى انطلاقهم سريعا.
وفي ختام اليوم يتجمع الشيوخ ومن بصحبتهم والصقارة حول نار المخيم ويشربون القهوة، فيما يتباهون بالإنجازات التي حققوها في القنص بالصقور. ويرتبط الصقارة بصقورهم ارتباطا بالغا إلى حد أن الواحد منهم قد يبتعد عن نار المخيم ويجلس صامتا في جوف الليل إذا انتقده آخرون لتواضع أدائه في الاقتناص مع الصقر الذي يرعاه ويشرف على العناية به.
هناك رياضة أخرى من رياضات الساحل المتصالح يفضلها شيوخ دبي والشارقة بشكل خاص، وهي سباقات الهجن. وقد بدأ سباق من بين سباقات عديدة شهدتها بعيد الفجر، حيث تنطق دزينة من الإبل وعلى ظهرها الركيبة الذين يتقلقلون في مواضعهم ويمضون في السباق عبر الصحراء. وليس هناك تنظيم مسبق لهذه الفعالية ، فالسباق يبدأ فجأة على نحو بالغ البساطة .
يندفع الشيوخ وكبار مرافقيهم وقد كنت معهم في ذلك اليوم نحو مجموعة من الشاحنات المنتظرة. وتمضي المركبات المثقلة براكبيها تطارد الإبل، ويتاح لنا مشهد رائع للسباق من هذه المنصة المتحركة، على الرغم من أننا نتقافز في موضعنا في انعكاس لمسيرة الشاحنات الشاقة في الرمال.
بدت الفكرة لي هي الاندفاع على الفور وراء الإبل التي يشجعها المرء، وعندما يصبح المرء على بعد أمتار قليلة من الناقة الأثيرة عندهم فإن الجميع في السيارة يحدثون من الضجة أكبر قدر ممكن تشجيعا للناقة، ويتم إطلاق نفير السيارة بصورة مستمرة، ويهتف الجميع ويطرقون على جوانب السيارة، بل إن البعض يطلق نيران بنادقه في الهواء.
قرب خط النهاية يتعالى الضجيج إلى أقصاه، فيما حشد من الصبية الممسكين بالعصي ينضمون إلى الجمع المختلط من المتسابقين والمشاهدين، بل إن بعض السيارات كانت قريبة للغاية من الإبل ، بحيث بدا أنها تدفعها دفعا.
عند النهاية كنت منشغلا أشد الانشغال بتجنب الاصطدام بالصبية والإبل إلى حد أنني لم أستطع التعرف على الناقة الفائزة، غير أن هذا سرعان ما بدا جليا للعيان، حيث اقتيدت الناقة الفائزة إلى القلعة، حيث نثرت عليها النسوة ماء الورد ودهنت رأسها بالحناء.
سفن الصحراء
صادفت في إحدى المرات فتى صغيرا على بعد أميال عدة من أقرب خيمة، وكان يرعى إبله في منطقة نائية، وكان مفتاح وجوده اسم موجود على رأسه، وهو عبارة عن وعاء معدني يحلب فيه حليب النوق ، وبالتالي يوفر لنفسه الغذاء والشراب. والواقع أن البدوي حيثما مضى فإنه يعتمد على حليب الناقة باعتباره غذائه الذي لا غنى عنه.
والجمل إلى جوار كونه يستخدم في عمليات النقل كمصدر للغذاء والشراب، يقدم للبدوي العديد من المنافع والفوائد الأخرى، وكما سبق أن أشرنا، يقدم حليبه ولحمه الغذاء ، ويخلط بعره بالأعشاب الطبية ويستخدم لعلاج الجروح، ولدى جفاف هذا البعر يستخدم كوقود. وينسج وبر الجمل فيتحول إلى ملابس خشنة الملمس. وفي مناسبات نادرة فإن مخزون الجمل من الماء يمكن أن يستخدم لإنقاذ حياة صاحبه، فالبدوي عندما يداهمه العطش على نحو يدفع لليأس، يغرس عصاه في زور الجمل ويشرب الماء الذي يتدفق منه.
ومن الممكن عادة أن يعرف المرء أنه يقترب من بئر ماء من خلال العدد المتزايد من بعر الإبل، وعند البئر يجد المرء ما يمكن أن يعد أنشط أشكال الحياة في الصحراء، فالجعارين السوداء في وهج الشمس تدفع بعر الإبل صعودا على التلال الرملية، وفي البعر تضع الجعارين بيضة، وتـُدفع البعرة عبر الرمال ضاغطة عليها حول البيضة التي وضعتها، وفي نهاية المطاف تخرج الخنفسة من البعرة.
ومن الكائنات الأخرى التي توجد في الرمال الضب، وهي سحلية كبيرة طويلة الذيل. وهناك أيضا الثعابين السوداء والعقارب، وكذلك أعداؤها المتمثلة في مخلوقات كبيرة ذات قوائم مشعرة تشبه العناكب. وبين الحين والآخر يصادف المرء قبرة عذبة التغريد.
النخيل والحياة
ليس هناك مكان آخر في العالم العربي تعد النخل فيه أكثر أهمية للحياة مما هي عليه في التجمعات السكانية في ليوا. ويؤكل بعض البلح رطبا، أما الباقي فيحول إلى تمر، حيث يعيش عليه السكان إلى أن ينضج محصول العام التالي.
تقع تجمعات النخيل في أحزمة سميكة من الرمال، ويتزايد عددها قرب الماء، ويتراوح ماء الآبار بين العذب والقريب من الملوحة، وتختلف الآبار في عمقها من حوالي 4 أقدام إلى 60 قدما، وتستخدم القرب المتخذة من جلد الماعز لحمل الماء ونقله.
وتتعرض العديد من تجمعات النخيل إلى الخطر بفعل تلال الرمال المتنقلة بلا هوادة، ويغرس السعف في الرمال لاحتجاز هذا العدو. وبعض هذه التجمعات السكانية تشغل بصورة مؤقتة فحسب من قبل البدو الذين يقبلون لجمع الرطب.
لدى الوصول إلى تجمع سكاني من هذا النوع، فإننا نتوقف لننعش أنفسنا عند إحدى الآبار. وإذا كان هناك أناس يقيمون هناك فإنهم يندفعون في التو مقبلين من كثبان الرمال من بعيد ليقدموا لنا ما يجود به كرمهم والموارد المتوافرة لديهم. وإذا كانت الإبل ترعى في المنطقة فإن النسوة والأطفال يصلون حاملين أوعية مليئة بالحليب الدافئ. وإذا كانت هناك ماعز فإن ماعزتين أو ثلاثا ستوضع أمامنا على سبيل الهدية.
في إحدى هذه التجمعات السكنية يقبل علينا الناس من كل حدب وصوب حاملين دلال القهوة، وسرعان ما نجد أنفسنا حيال ما يزيد على دزينة من هذه الدلال وهي تتألق في نارنا. وقد أدهش رجل عجوز الجميع بمن في ذلك جيرانه لتقديم زجاجة من دهن الشعر، ووضع القليل منه على رأس كل من ضيوفه بمزيد من الاحتفاء.
إذا اقتربنا من إحدى هذه التجمعات في وقت مبكر من اليوم، فإننا سنتلقى دعوة للاحتماء من الشمس في أحد بيوت السعف، ويبادر مضيفنا وعائلته إلى تنحية مقتنياتهم القليلة جانبا وفرش بطانية لنا فوق الأرض الرملية، ثم يبادر رب البيت إلى الإعراب عن اعتزازه باستضافة الضيوف من خلال طحن حبات البن في طاحون نحاسي كبير، ومع كل ثلاث أو طرقات ، فإن أداة الطحن سوف ترتطم بجدار الطاحون وتحدث صوتا بهيجا يبدو كما لو كان رسالة صادرة عنه، ثم بمزيد من الاعتزاز يقوم رب البيت بفتح محفظة جلدية ويضيف القليل من حبات الهيل إلى البن.
في داخل ليوا وخارجها فإن البيوت مصممة بأبسط الأشكال، حيث تحتوي الأوتاد التي تشكل نواة الجدران ضرورات الحياة القليلة، وفي مقدمتها بندقية وحزام ذخيرة وخنجر وعباءة وقربة وسرج الجمل وحبال. وتشكل قدر كبير مدفونة في الرمال الموقد، وخارج الخيمة هناك مأوى يضم الماعز.
يتمثل أحد ملامح الحياة في ليوا في كلاب السلوقي ، فعندما يقترب المرء من أحد التجمعات السكانية، تندفع هذه الكلاب وهي تنبح خارجة من البيت، وإذا كانت الشمس في كبد السماء فإنها تعود متقافزة إلى البيوت من جديد لتقبع هناك في الظل.
يخشى أهل ليوا هجمات الجراد التي تدمر أشجار النخيل وتقضي على محاصيلهم من الرطب، وعلى امتداد عامين تعرضت معظم تجمعات للنخيل للضرر الشديد بفعل هذه الحشرات، لكن عجوزا أبلغني بأن أشجار نخيله قدرت لها النجاة من الجراد. هل أوقد النيران تحت الأشجار؟ لا على الإطلاق فكل ما فعله هو الجلوس وسط نخيله وتلاوة آيات من القرآن الكريم.
الغوص على اللؤلؤ
تفاجئك هذه التجمعات السكانية الصحراوية المعزولة عندما تعلم أن بعض أبناء القبائل فيها هم من غواصي اللؤلؤ، وأن قلة منهم يملكون المحامل وأدوات الغوص التي تساعد في البحث عن اللؤلؤ ، وقد كان هناك تراجع كبير في تجارة اللؤلؤ تلك السنة ، لكن بعض السكان لا يزالون يشجعون الترحال إلى أبو ظبي أو جزيرة دلما.
حيث يمضون الموسم على ظهر المحامل، وهي حياة قاسية ولكنهم ينتقلون عبر مسار الحياة دونما تعجل، وبتقبل يمكننا وصفه بأنه فلسفي.عندما انتقلت بالفعل إلى الساحل من ليوا، شاهدت دبي بعيني البدوي، فهي لم تعد ذلك الميناء الصغير الهادئ الذي أتذكره وإنما مدينة ممتدة ، ومركز للحياة ومستودع هائل لضرورات الحياة في الصحراء.
حملتني رحلة أخرى إلى الجيب القاحلة فيما وراء رأس الخيمة ، ولم يقدر ألا لقلة محدودة من الغربيين زيارة هذه المنطقة، ولم يعرف إلا القليل عن سكانها، وبصفة خاصة عن سكان المناطق الجبلية من الشحوح.في اليوم الذي بدأت فيه جولتنا الاستطلاعية، اندلعت بعض الخلافات بين أبناء المنطقة إلى الشمال الشرقي من رأس الخيمة .
وتأثر الوضع العام في المنطقة بهذا النزاع.على امتداد المنطقة تم استنفار الكثيرين ، وعلى الرغم من أننا كنا بصحبة مرافقين لنا من المنطقة، ألا أن الأمر اقتضى الكثير من الوقت لكي نتفاوض حول دخولنا إليها، حيث كان أبناؤها يساورهم الشكوك حيال الأغراب.
ولكن ما أن يحظى المرء ثقتهم، حتى يبدون أشد الكرم والود نحوه. وقد تم الترحيب بنا من أبناء المنطقة ودعوتنا لوليمة تشمل كومة من الأرز الذي يتوجه البيض المشوي ، والتف 15 شخصا حول المائدة ، وكانوا من رقة الحاشية، بحيث أنهم في نهاية المطاف تركوا لنا البيض لنأكله نحن، وإن كان لونه قاتما بعض الشيء بحكم طريقة طهوه.
الكاميرا والذكريات
يوضح الرحالة رونالد كودراي إنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت معدات التصوير المتاحة في السوق نادرة، ومعظم الكاميرات باهظة الثمن، ولذا فإنه عندما جاء إلى الساحل المتصالح حمل معه كاميرا من طراز "كيروفليكس" اشتراها في القاهرة عام 1946. وفي وقت لاحق حصل على كاميرا كبيرة عتيقة من طراز "ثورنتون بيكارد" مزودة بعدسات من طراز "كوك" ولها حامل نحاسي كبير.
وفي زيارة لاحقة للبحرين حصل كودراي على كاميرا كانت قد وصلت حديثا من طراز "روليفليكس" من إنتاج ما بعد الحرب، يصفها بأنها ذات نوعية رفيعة. ويقول الرحالة البريطاني إنه لم يستطع العثور على كاميرا من طراز "لايكا"، فعثر بدلا منها على كاميرا من طراز "إكزاكتا".
وكان حتى رحيله عن عالمنا لا يزال يحتفظ بكاميرتين من طرازي "إكزاكتا " وروليفليكس" لأنه شعر بأنه لن يكون وفيا إذا تخلى عنهما على الرغم من أنه يجد من الصعب تجاهل الكاميرات الحديثة التي شقت طريقها إلى السوق.
كودراي يرسم بريشته وكاميرته صورة مدهشة لدبي في منتصف القرن العشرين
ينطلق الرحالة البريطاني رونالد كودراي بالقارئ عبر نص نادر حافل بالذكريات نشرته له مجلة "ناشيونال جيوغرافي" في عددها الصادر في يوليو 1956، ليتحدث عن الأوضاع كما رآها وعاشها على امتداد المنطقة التي كانت تعرف بالساحل المتصالح ، والتي غدت الآن دولة الإمارات العربية المتحدة.
وهو لا يكتفي فيما يرويه بذاكرته اللاقطة فحسب، والتي استوعبت الوقائع والأحداث التي شهدتها خلال السنوات الست منذ عمله في المنطقة وحتى رحيله عنها، والتي أتاحت له أن يبادر إلى تسجيل يوميات وذكريات تفصيلية تضم كل ما عرض له في تجواله في المنطقة، وإنما أرفق ذلك كله بحشد من الصور النادرة التي أصبحت اليوم كنزا حقيقيا من المشاهد والملامح والأشخاص الذين رحل معظمهم عن عالمنا ولم تبق منهم إلا الذكرى.
وفي المصافحة الأولى لنا معه، بادر كودراي إلى إلقاء الضوء على مدينة دبي، كما تبدت له خلال إقامته فيها مندوبا لشركة نفط بريطانية تقوم بالتنقيب في المنطقة. وهو يقدم لنا بريشته وأيضا بكاميراته دفقا من الاستحضار المدهش لما كانت عليه أسواق دبي، ولم كانت عليه الحياة في المدينة. ويتطرق إلى عادات أبناء المنطقة وتقاليدهم مشيدا بما درجوا عليه من كرم حتى في الأيام التي كانت مواردهم خلالها شحيحة.
وهو يتناول الترحاب بالضيف وما كان يقدم له من طعام وشراب، وأيضا من دخون ينهي بعبقه الذي لاينسى اللقاء.
واليوم ينطلق كودراي ليلقي الضوء على جوانب شتى من الحياة في الإمارات كما شاهدها قبل ما يزيد على نصف قرن، حيث يتوقف طويلا عند رياضة القنص في الصقور، التي حرص البارزون من أبناء المنطقة على الانطلاق في رحابها إلى الصحراء للصيد وفقا لتقاليد عريقة تمتد إلى أقدم العصور.