أجمل ما في شهر رمضان خلال الأيام الخوالي والسنوات الماضية بمدينة حلب السورية , هيبته وحرمته حيث لم يكن بمقدور أحد أن يتجرأ على الافطار فيه أوالمجاهرة بالمعصية أناء الليل أو أطراف النهار. فمدمنو الخمر وأصحاب المعاصي كانوا يقلعون عن ذنوبهم منذ الخامس عشر من شعبان، وكانت توبة هؤلاء في كثير من الأحيان نصوحة تستمر، وبالطبع كان على أصحاب الخمارات أن يغلقوا حاناتهم احتراما لحرمة الشهر الفضيل".
وللحلبيين طريقتهم في التهنئة برمضان بالقول مباركة طاعتكم. وتبدأ مع الليالي الأولى للشهر الزيارات المتبادلة باسم الرمضانية، ويقولون, بدنا نجي نرمضنكم، وما جيتو رمضمتونا). أي أنهم صرفوا فعل ( رمضن ) للدلالة على الزيارة الرمضانية كما صرفوا الفعل عيّد على زيارة العيد وعلى تقديم العيدية. وللمخطوبة على الخاطب إن مر بهما رمضان هدية رمضانية وأخرى عيدية تدفع بالعيد.
محمد لطفي رجل ستيني يعيش في مدينة حلب، وبالتحديد في حي الجميلية، ويعرف بين أهالي الحي بأبي صلاح، وكان يعمل في سلك التدريس قبل أن يتقاعد منذ سنتين.أولاده الأربعة تزوجوا ، ولم يبق من يؤنسه في البيت سوى زوجته، بيد أن قدوم رمضان يسهم في لم شمل العائلة على مائدة الأفطار طيلة أيام الشهر الكريم كعرف متداول منذ سنوات. وعن المناسبة، يعود أبو صلاح بذكرياته إلى الوراء، ويفتح خزانة الماضي حول طبيعة طقوس رمضان واختلافها مع تطور الأيام والأزمان، فيقول عن أول يوم صيامه عندما بلوغي السابعة من عمري وكان ذلك في سنة 1959.
حيث جاء رمضان في شدة الحر، ربما كان في يونيو، لأنني لا زلت أتذكر أنه صادف وقت نضج التوت، والعامة في حلب تقول:"في يوم التوت يشتغل العامل حتى يموت" وكان صيامي الأول يوم التوت، في طقس ساخن جدا ولم استطع الصوم غير يومين فقط". ومن الطرائق في ترغيب الصغار وحثهم على الصيام، كان الصائم منهم يجلس على مائدة الإفطار مع الكبار. بينما يتوجب على الصغار المفطرين أن يأكلوا منفردين قبل الأذان. هذا الأمر كان يضايقنا جدا كما يقول أبوصلاح، ويجعلنا دائما في حالة احتجاج على الأهل الذين يصرون على التخفيف من مائدة الإفطار ولا سيما عندما يكون في البيت ضيوف وقلما يخلو منهم.
والسبب الآخر المشجع على الصيام هو الحصول على ثمن الإفطارية، إفطارية يومي الأول كانت ليرة سورية آنذاك، احترت ماذا أشتري بها أنا وأختي الوسطى التي كانت ترعاني وتشجعني على الصوم. وكان الفرنك أو الخمسة قروش مصروفا يومياً جيداً، فكيف يتصرف ابن سبع سنوات وقد امتلك عشرين فرنكا". يقول ذلك وهو يضحك.
أما فيما يتعلق بصعوبات صيام في تلك الفترة، وخاصة للصغار بعمره، فيؤكد :" قبل الصوم بيوم كامل، كان ثمة صوم تدريبي خاص للصغار يسميه الحلبيون "صوم درجات المآدنة " حيث نصوم حتى الظهر ثم نفطر. وهناك صوم آخر نُمسك بعد سحور صباحي أي نتناول وجبة الإفطار العادية، ولكن تحت مسمى السحور، ثم نمسك حتى العصر. وهناك بعض الروايات الشعبية المتداولة والتي كانت تحرم على الأطفال المفطرين :وبينها وسائل تقريع للأطفال المفطرين اذ كانوا يطلبون منا ألا نأكل أمام الناس حتى لا يرانا رمضان، لأنه إذا رآنا فسيقلع أسناننا".
وعن طبيعة العلاقات التي كانت تجمع أهل حلب في أيام رمضان سيما في الأحياء الشعبية، يقول لطفي :" كان في الماضي الجيران جيرانا، والأرحام أرحاما، ونظام ما يعرف بالسكبة وهو نظام معمول به طوال العام، ففي يوم طبخة حلبية رسمية، مثل يوم المحشي أو الكبة بأنواعها، أو اليبرق أو القبوات أو اللحم بالعجين وتخرج من بيت صاحب الطبخة أحيانا أكثر من خمسة صحون مليئة إلى دائرة من الأهل والجيران، وبالمقابل تستقبل الأسرة في أيام أخرى صحون الآخرين المليئة بالأكل ما يحدث إثراء لألوان المائدة".
وعن ذهاب النساء الحلبيات إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، يقول ,رجال حلب ظلوا يمنعون إماء الله من ارتياد المساجد، فلم يكن للمرأة الحلبية حظ في ذلك إلا في دروس العصر لدى بعض العلماء، وفي صلاة التراويح في رمضان، وكانت تخصص زاوية في كل مسجد تقطع بستارة كبيرة للنسوة.
أما الطقوس الرمضانية المنتشرة في الشوارع والأسواق فكان الماء المبرد يعطر بماء الورد، ويوضع في حلل خاصة على الطرقات والأسواق لمن انقطع به الطريق فلم يصل إلى بيته قبل الإفطار .
ويختم أبو صلاح وهو مدرس لمادة التاريخ حديثه عن قصص لا زالت معلقة في ذاكرته:" المجتمع بكل طبقاته ومكوناته كان يرى أن الذوق فوق الحق، فتدخل على غير المسلم في محل عمله، فترى أن ذوقه قد رفعه عن أن ينفث في وجه صائم دخان سيجارة. بل إنه كيّف دوامه مع الآخرين بغلق وفتح محله معهم".