جيليان تيت
قبل عقدين من الزمن، اكتشفت قوة إشارات مقايضات التخلف عن سداد الائتمان، فارتفاع أسعار المشتقات المالية يدل على قلق المستثمرين من إفلاس المقترضين. في ذلك الوقت، كان أحد مؤشرات المشاكل القادمة هو ارتفاع أسعار مقايضات التخلف عن سداد الائتمان لسندات الرهن العقاري والبنوك، رغم التفاؤل السائد في أسواق الأسهم، وكان ذلك بمثابة جرس إنذار مبكر.
هل يتكرر الأمر نفسه اليوم؟ من المحتمل جداً ففي الأسبوع الماضي، سجلت أسواق الأسهم الأمريكية مستويات قياسية وسط دلائل جديدة على قوة الاقتصاد الأمريكي. ورغم تصاعد الضجة حول الذكاء الاصطناعي التي تدفع الأسهم نحو الارتفاع، ارتفعت أسعار مقايضات التخلف عن سداد الائتمان للمقترضين المرتبطين بالذكاء الاصطناعي، مثل «ميتا» و«جوجل» و«مايكروسوفت»، بشكل هادئ، مع قفزة ملحوظة بشكل خاص بالنسبة لـ«أوراكل». كما ارتفعت أسعار مقايضات التخلف عن سداد الائتمان لشركة «سبيس إكس» الأسبوع الماضي، بعد تقارير عن طلب تمويل بقيمة 40 مليار دولار.
يعتقد بعض المراقبين أن هذه الإشارة مشوهة لأن سوق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان يشهد تداولاً ضعيفاً، في غضون ذلك، يصر المتفائلون على أن ارتفاع أسعار الأسهم مبرر لأنه من المتوقع أن ترتفع أرباح الشركات الأمريكية بنسبة 27% في الربع الثالث.
لكن، على الأقل، تظهر أسعار مقايضات مخاطر الائتمان أن القلق لا يقتصر على السندات الفرنسية وحدها، بل يتجاوزها بكثير. وينبغي على المستثمرين طرح خمسة أسئلة على الأقل الآن لتقييم ما إذا كانت المشاكل تلوح في الأفق.
أولاً، هل يمكننا الوثوق بتوقعات شركات التكنولوجيا؟ يتوقع المحللون حالياً أن «يتضاعف التدفق النقدي التشغيلي للقطاع ليصل إلى نحو 2.4 تريليون دولار بحلول عام 2028» بفضل الطلب المتزايد على منتجات الذكاء الاصطناعي، كما يقول تورستن سلوك من شركة أبولو.
لكنّ المحللين يتوقعون أيضاً تدفقات نقدية مستقبلية ضعيفة للشركات غير التقنية، وهذا، كما يقول سلوك، «يثير التساؤل حول من سيدفع كل هذه الشيكات لشراء خدمات الذكاء الاصطناعي»، ربما يكون عملاء شركات التكنولوجيا متشائمين أكثر من اللازم. لكن إذا كانت توقعات التكنولوجيا متفائلة أكثر من اللازم، فنحن في فقاعة ستنفجر في نهاية المطاف.
ثانياً، من سيموّل تطوير الذكاء الاصطناعي؟ في البداية، اعتمدت شركات التكنولوجيا على مواردها، لكنها نفدت، ولجأت إلى الاقتراض المفرط لتمويل نفقاتها المتوقعة. وقال جريج بيترز، وهو مسؤول بارز في شركة «بي جي آي إم»، مؤخراً إن حجم الديون التي تغمر السوق حالياً يعد تاريخياً وغير مسبوق.
وهذا الأمر يسحب التمويل بالفعل من قطاعات أخرى. وقد اقترح أحد كبار الممولين الأمريكيين مؤخراً أن الولايات المتحدة بحاجة إلى «كيان على غرار مؤسسة 'فاني ماي' لتمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي». بعبارة أخرى، إيجاد وسيلة لإعادة تجميع ديون قطاع التكنولوجيا وإعادة طرحها في الأسواق على غرار القروض العقارية. ورغم أن حدوث ذلك يبدو مستبعداً، إلا أنه يوضح حجم الرهانات والمخاطر القائمة.
ثالثاً، إلى أي مدى سترتفع أسعار الفائدة؟ في رأيي، استحق سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، الإشادة العام الماضي لإبقائه عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات عند مستوى 4% تقريباً، باستخدام تكتيكات مثل تقليص آجال استحقاق السندات. لكن هذه الأساليب لم تعد مجدية؛ إذ قفزت عوائد السندات لأجل 10 سنوات لتتجاوز حاجز 5%. رغم ذلك، يصر بيسنت نفسه على أن النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي سيؤدي قريباً لخفض العجز المالي، ما سيخفف حدة الضغوط.
في الوقت نفسه، يرى الممولون في «وول ستريت»، الذين تحدثت إليهم، أنه يمكن تجنّب أزمة الديون الأمريكية إذا ظل معدل النمو الاقتصادي أعلى من 3%. رغم ذلك، تزداد مهمة بيسنت صعوبة؛ فالبنوك التي تمول طفرة الذكاء الاصطناعي أصبحت تشتري كميات أقل من سندات الخزانة، كما أن الدول الأخرى لم تعد تعيد ضخ الفوائض الدولارية في السندات الأمريكية بالقدر السابق. ويقول براد سيتسر، من مجلس العلاقات الخارجية: «تحقق شرق آسيا الآن فائضاً ضخماً، لكن لا يكاد أي جزء منه يتدفق إلى سوق السندات الأمريكية».
وهذا يعني أن صناديق التحوط أصبحت تتمتع بنفوذ أكبر بكثير في تحديد الأسعار، وقد تنسحب بسرعة إذا حدثت اضطرابات، ما سيدفع أسعار الفائدة لمزيد من الارتفاع. وقد يؤدي ذلك لحدوث أزمات مفاجئة في السوق، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في مستويات الرافعة المالية «الديون» لدى الحكومات وشركات التكنولوجيا. ويقول جيم تشانوس، البائع على المكشوف الشهير: «مخاطر إعادة التمويل حقيقية بالنسبة لمراكز البيانات القديمة»؛ وهذا يفسر التحركات في أسعار عقود مقايضة التخلف عن السداد.
رابعاً، هل سيدفع النفط أسعار الفائدة لمستويات أعلى؟ حتى الآن، صمد الاقتصاد العالمي أمام ارتفاع أسعار الطاقة. لكن مخزونات النفط أصبحت الآن «شحيحة بشكل يثير القلق»، ما ينذر باحتمالية حدوث مزيد من الارتفاع في الأسعار، وفقاً لما ذكره مسؤول سعودي بارز.
وأخيراً، ماذا سيحل بالنمو إذا تعثرت طفرة الذكاء الاصطناعي؟ يبدو النمو قوياً حالياً في الولايات المتحدة، كما تظهر تحليلات جديدة صادرة عن كلية «ستيرن» بجامعة نيويورك وشركة «دي إتش إل» أن «تجارة السلع العالمية نمت في النصف الأول من عام 2026 بوتيرة أسرع من أي فترة نصف سنوية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية»، باستثناء الفترة التي تلت جائحة كوفيد.
غير أن 76% من تلك الزيادة كانت مدفوعة بالتجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كما أن الاستثمار في التكنولوجيا يمثل جزءاً كبيراً من النمو الأمريكي الأخير. وإذا تباطأ زخم الذكاء الاصطناعي، سواء لارتفاع أسعار الفائدة أو مخاوف السلامة، أو فرض حظر مؤقت على بناء مراكز البيانات، فسيؤدي ذلك لتداعيات سلبية؛ ولهذا السبب يزدري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتقدي الذكاء الاصطناعي.