عندما نواجه أمراً يخيفنا حقاً من المستحيل ان ننظر حولنا على الرغم من ان هذا هو الأمر الصحيح والأكثر أماناً يقول سورين: ذات يوم رأيت نفقاً فقط لا غير وهو جالس في مقهى في محافظة سيبيو في إقليم ترانسلفانيا، ثم ينظر محدقاً في عينيّ ويكمل سرد الأحداث، قائلاً: شاهدت نفقا أسود وفي طرفه المقابل رجل يشير إليّ.

انتظره ليكمل كلامه، فلا شيء يشغلنا عن متابعة الحديث، وأتذكر إنني رأيت نفقا أيضا عندما كنت في وضع يشبه الحالة التي مر بها، لكن النفق الذي شاهدته كان يؤدي إلى فندق في ريو دي جانيرو، وهو فندق غلوريا. وأتذكر أنني نظرت إلى ذلك الفندق، وتوقعت الأسوأ وفكرت في نفسي: هذا ليس منصفا ما زلت في السادسة والعشرين من عمري!. سواء أكان الأمر منصفا أم لم يكن، فإنه في الصباح الباكر من تاريخ 27 مايو 1974، واجهت الموت ولم أكن قادرا على رؤية ما يحدث حولي، كان هناك النفق والفندق فقط. لكن قصتي لا تهم، وأسردها فقط لأقول إنني أفهم جيدا ما يحاول سورين إخباري به في ذاك المقهى الضائع وسط جبال كارباتس.

يقول سورين: شاهدت نفقا لا غير وفي طرفه رجل يوجه سلاحا إليّ ويطلب مني الخروج من السيارة.

بدأت قصة سورين ميكوسي كالفاري في 29 مارس من عام 2005 قرب بغداد، وكان قد عين هناك لأسبوع بطلب من محطة التلفزة الرومانية، وقد انتهى به المطاف للتعرض للخطف لمدة 55 يوما.

وفي ما بعد، عندما اطلق سراحه، سأله عملاء الأمن الأميركيون عن عدد المعتقلين معه، فأجابهم قائلا: واحد، فضحكوا وقالوا: هذا غير ممكن، وقد ساعده عالم نفساني، وفسر له أنه في ظل الأوضاع التي مر بها، فإن كل ما يحدث حوله تنتفي أهميته، وكل ما يشاهده يدور حول الأزمة وما يهدد حياته، وما عدا ذلك، يصبح طي النسيان.

لقد تزوج سورين منذ فترة وجيزة بأندريا التي تجلس قربه وتربت على يده.

وكنا نسافر في مجموعة معاً لمدة ثلاثة أيام، ونتوقع أن نمضي أسبوعا آخر في الطريق لعبور جبال كارباتس. كنت أعرف قصة سورين، لكنني انتظرت عودته إلى بلدته قبل ان اسأله عن التفاصيل. وكان على الطاولة معنا كريستينا توبسكو، صديقة قديمة عملت صحافية في محطة التلفزة نفسها مع سورين، تقول كريستينا إنه حين حان الوقت لاستنهاض البلاد، فإن أعداد قليلة من الزملاء توجهوا إلى رئيس الجمهورية للتحدث معه، وذلك خوفا من خسارة وظائفهم.

تقول كريستينا: وكان الأسوأ رؤية سورين مرتديا المعطف البرتقالي وهو حليق الرأس في فيلم الفيديو الذي سلم إلى قناة الجزيرة في قطر. كان هذا دليل على أن إعدامه بات وشيكا.

يقول سورين: طلبت من الله شيئا واحدا فقط لا غير: ان أموت بطلقة نارية في القلب. وكنت قد رأيت فيديوهات يصور سجناء وقد قطعت رؤوسهم، فطلبت وتوسلت ان يجري اطلاق النار علي بدلاً من ذلك.

طبعت أنديرا قبلة على خده، فتبسم وسألني إذا كنت أريد ان أبقى في المقهى، أو إذا كنت أفضل الذهاب إلى مكان الكاريوكي الوحيد في محافظة سيبيو. وشعرت بميل إلى الصمت عند هذه النقطة، فمن الأفضل أن نذهب إلى ذاك المكان ونغني معا. نهضت مجموعتنا، وتقدمت لأدفع الحساب لكن الفاتورة كانت على حساب أصحاب المقهى تكريما للبطل المحلي، الذي استطاع ان ينجو ويبقى على قيد الحياة على الرغم من كل شيء.

وفي طريقنا إلى مقهى الكاريوكي، بدأت افكر في النفق الأسود، من دون محاولة إضفاء أي طابع رومانسي على هذه الحالة الدرامية، وشعرت ان هذا يحدث معنا جميعا. وانه عندما نواجه أمرا يخيفنا حقا، من المستحيل ان ننظر حولنا، على الرغم من ان هذا هو الأمر الصحيح والأكثر أمانا، ولا نستطيع ان نرى جيدا أو أن نستخدم المنطق أو نجمع المعلومات التي يمكن ان تساعدنا على مواجهة الحالة، أو اكتشاف الذين بإمكانهم إخراجنا من هذا الوضع، ففي الحب والحرب كلنا سواء.

نصل إلى مقهى الكاريوكي، ونغني لألفيس بريسلي ومادونا وراي تشارلز. فمجموعتنا تثير الاهتمام: هناك لاكريما التي تركتها أمها عندما كان عمرها شهرين فقط. وليوناردو، الذي تغلب على الإحباط أخيرا، بعد أن قهره على مدى سنتين. وكريستنا توبسكو، التي مرت أخيرا بأوقات صعبة واستطاعت أن تتخطاها. وسورين الذي أمضى 55 يوما في الحجز، وأندريا التي كادت ان تخسر الشخص الذي تحبه، وانا الذي تغطي جسدي وروحي الندوب.

ومع كل ذلك، فقد استمتعنا بالغناء واحتفلنا بالحياة، ولم يعطيني وجود مثل هؤلاء الأصدقاء الأمل فحسب، وإنما أيضا جعلني أدرك أن الناجين الحقيقيين لن يكونوا أبدا ضحايا جلاديهم، لان بإمكانهم إبقاء الشيء الأهم في حياة الإنسان على قيد الحياة ، إلا وهو الفرح ؛ وعندما يأتي الفرح بعد مأساة، هناك دوما مثال يحتذى به.