كل الصراعات التي نواجهها
تحدث بسبب الامتلاك والغيرة
يقول الشاعر جلال الدين الرومي، إنه ذات يوم في قرية نائية في بلاد فارس، ظهر رجل يروي قصصاً رائعة عن شجرة تمنح الخلود لآكل ثمارها.
وسرعان ما انتشرت هذه الأخبار فبلغت مسامع ملك البلاد، ولكنه قبل أن يتمكن من السؤال عن موقع هذه الأعجوبة من أعاجيب الطبيعة كان الرحالة قد غادر البلاد بالفعل.
غير أن الملك كان مصمماً على أن يصبح خالداً، حيث أراد أن يتاح له من الوقت ما يكفي لتحويل مملكته إلى قدوة لكل شعوب العالم، وعندما كان شاباً حلم بجعل الفقر يختفي وجعل العدالة تسود وتوفير الغذاء لكل شخص من سكان مملكته، لكنه سرعان ما أدرك أن مثل هذا العمل يستغرق إنجازه أكثر من جيل، غير أن الحياة منحته فرصة وهو لن يدع هذه الفرصة تفلت من يديه.
دعا الملك بأكثر الرجال شجاعة في بلاطه، وكلفه بمهمة العثور على شجرة الخلود.
غادر الرجل البلاط في اليوم التالي مزوداً بما يكفي من المال للحصول على المعلومات والغذاء وكل ما هو ضروري له لتحقيق هدفه، وارتحل عبر المدن والسهول والجبال طارحاً الأسئلة عن شجرة الخلود ومقدماً المكافآت، وكان الناس الشرفاء يبادرونه بالقول إن تلك الشجرة لا وجود لها، أما الخبثاء فأظهروا له تبجيلاً مبطناً بالسخرية، وانتهى الأمر بقيام بعض المحتالين بإرساله إلى أماكن نائية لا لشيء إلا ليحصلوا على قطع نقدية قليلة لقاء معلوماتهم الزائفة.
بعد خيبات أمل عدة قرر الرجل الإقلاع عن البحث على الرغم من أنه كان يستشعر إعجاباً شديداً لحاكمه. لسوف يتعين عليه أن يعود خاوي الوفاض، وكان يعرف أنه سيفقد شرفه، ولكنه كان قد تعب وغدا مقتنعاً بأن مثل هذه الشجرة لا وجود لها.
في طريق الرجل إلى العودة إلى بلاده ارتقى تلاً صغيراً وتذكر أن رجلاً حيكماً يقيم هناك، فحدث نفسه قائلاً: «لقد فقدت كل أمل يف العثور على ما أردته، ولكنني استطيع على الأقل أن أطلب مباركة هذا الحكيم وأتوسل إليه أن يدعو لي».
فيما وقف الرجل أمام الحيكم بدا واهناً وعاجزاً عن التماسك فشرع في البكاء وعندئذٍ سأله الحكيم: «لم يستبد بك اليأس يا بني؟».
قال الرجل: «لقد عهد إليّ الملك بمهمة العثور على شجرة فريدة في للدنيا بأسرها فثمارها تجعلنا نحيا للأبد، وقد درجت دوماً على تحقيق المهام التي تسند إلي بولاء وبسالة، ولكني في هذه المرة سأعود إلى بلادي خالي الوفاض».
شرع الحكيم في الضحك وقال: «إن ما تسعى إليه لا وجود له، وهو مجبول من ماء الحياة المستمد من محيط يمتد بلا انتهاء، وغلطتك هي أنك سعيت وراء شكل من أشكاله له اسم، فهو في بعض الأحيان يدعى «شجرة» وفي أحيان أخرى يقال له «شمس»، وفي غيرها يسمى «سحابة»، ويمكننا أن نطلق عليه إسم أي شيء على وجه البسيطة، ولكي نجد هذه الثمرة فإن من الضروري أن نتخلي عن الشكل وأن نسعى وراء الجوهر».
واصل الحكيم حديثه: «إن كل شيء يضم وجود الخلق هو خالد في حد ذاته، وما من شيء يمكن تدميره، حتى عندما تكف أفئدتنا عن الخفقان فإن جوهرنا يتحول إلى طبيعة من حوله فيمكننا أن نتحول إلى أشجار، قطرات المطر، نباتات بل إلى كائن بشري آخر. فلماذا تتوقف عند كلمة شجرة وتنسى أننا خالدون؟ إننا نعود دوما في هيئة أطفالنا، في الحب الذي نبديه للدنيا، في السعي وراء إيماءاتنا الخاصة بالكرم والتسامح الذين نمارسهما».
نظر الحكيم إلى الرجل مباشرة وقال: «عد إلى بلادك وقل للملك إنه ليس هناك ما يدعوه للقلق بشأن العثور على ثمرة الشجرة السحرية، فكل موقف وكل قرار اتخذه الآن سوف يبقى على امتداد أجيال، ومع ذلك فإن عليك أن تطلب منه أن يكون عادلا مع شعبه، وإذا اضطلع بمهمته بإخلاص فإن أحدا لن ينساه، وقدوته سوف تؤثر في تاريخ شعبه، وتدفع أبناءه وأحفاده للتصرف دوما بأفضل طريقة ممكنة، وقل له إن من يسعى وراء اسم فحسب سيظل دوما مرتبطا بالمظاهر من دون اكتشاف جوهر الشيء ومعجزة الحياة.
اختتم الحكيم حديثه قائلاً: «إن كل الصراعات التي نواجهها تحدث بسبب الأسماء، الامتلاك، الغيرة، الخلود غير أننا عندما ننسى الاسم ونسعى وراء الجوهر الذي يحتجب خلف الكلمات فإننا سنحصل على كل ما نرغب فيه، وبالإضافة إليه فإننا سنحصل على السلام الداخلي».