كأن الإعلام الغربي يتعامل مع الثورة السورية على أنها حالة استشراقية، إذ يقرأ الوضع من منظور استعلائي فيه تلك النظرة التي تراهن على الأقليات وتعزف على وتر الطائفية، دون الدخول في عمق المشكلة الكبرى، النابعة، في جوهرها، من دكتاتورية تشبه، إلى حد بعيد، دكتاتورية فرانكو وستالين وتشاوشيسكو، لا بل إنها تفوقت على دكتاتوريات الشرق والغرب.
المزاج الغربي لا يتعامل إعلامياً مع الحقائق الواقعية، لأنه لم يتخلص من فوقيته في تعاطيه مع الشرق، ذلك الشرق الذي رسمه دولاكروا.. نساء مكتنزات يتحلقن حول نوافير المياه في الحمامات، أو رجال بلحى كثة في السوق. إضافة إلى رسومات موضوعاتها العبيد والمخصيون ومفردات أخرى يعرفها جيداً من خبروا تلك النظرة الاستشراقية المتعالية.
غير أن الحالة السورية لا تشبه في عالمها الفسيفسائي، أياً من الحالات الأخرى، ذلك ليس لتنوعها فحسب، بل لخصوصيتها الروحية القائمة على التناغم والتعايش، وهو ما لم يدركه الإعلام الغربي، فتراه يعزف على وتر الطائفية والأقليات، وكأن تلك الأقليات جاءت من كوكب آخر، وليست ابنة المنطقة منذ أزل الوجود.
تنحو تلك التقارير الإعلامية نحواً غير منصف عندما تصف الثورة في سوريا بـ"حرب أقليات"، وتقفز فوق الواقع بطريقة بهلوانية، فيها كثير من الإجحاف بحق شعب انتفض لكرامته، فخرج يصرخ:" الشعب السوري ما بينذل". وهو لم يناد بطرد أقلية أو قتل فئة ما، ولطالما كان النسيج الاجتماعي في سوريا، واحداً من أغنى الألوان في الشرق، وأكثرها تماسكاً وتعايشاً.
ما يؤسف له، أن تقارير الإعلام ظلت في حدود المشهد السريع أو الشكل الخارجي للمكان، ولم تكتب تلك التقارير بخبرة داخلية، لذلك جاءت سطحية وقليلة المحتوى الاجتماعي. وفيها من قلة المعرفة ما يجعلها أشبه بموضوعات إنشاء استلها كاتبها من موقع إلكتروني، دون التدقيق أو التمحيص.. تقارير كتبت بلغة الاستشراق وليس طبقاً لمعايير الموضوعية واشتراطات الأمانة المهنية.
طيلة سبعة عشر شهراً لم تكن الثورة السورية فئوية أو موجهة ضد أقلية عرقية أو طائفية، إذ تساوى أبناء المجتمع السوري في الظلم، وكانت تلك فضيلة ممارسات النظام الوحيدة بعد أن طبق مقولة (المساواة في الظلم عدل). كانت سوريا تحت سيف الظلم طيلة خمسين عاماً. وهي إذ تنتفض اليوم، فلأجل كرامتها أولاً، وضد الفساد والقهر بدرجة أكبر وأعمق.