بعنوان فرعي "شهادات جيل الصمت والثورة"، يتوغل كتاب "موت الأبد السوري" لمؤلفه محمد أبي سمرا، في حياة السوريين وتاريخهم الصامت بعد مقتلة حماة في العام 1982، ويروي فصولاً أخرى عن خروج الشعب السوري على الصمت والقهر في ثورة ملحمية، بدأت في آذار 2011 ولا تزال مستمرة حتى اليوم.
الكتاب الصادر عن "دار رياض الريس للكتب والنشر" ينضم إلى مجموعة مؤلفات أخرى في السياق نفسه، مثل: سوريا ..ثورة من فوق، التسلطية في سوريا، السيطرة الغامضة، وغيرها العديد من الكتب المهتمة بالشأن السوري. غير أن جميعها جاء بأقلام كتّاب غير سوريين، ذلك أن البلد مغلق أمام حرية المعلومة مثلما هو مغلق أمام الكتّاب، الأمر الذي يصعّب مهمة النشر، كما قال الصديق رياض نجيب الريس.
يتناول الكتاب فصولاً من حقبة رمادية، ويروي سيرة الأشخاص ووقائعهم، وشهاداتهم الحية التي هي مادة هذا التأريخ الإخباري والروائي عن ما عاشه سوريون في حياتهم العائلية، وكذلك في مدارسهم وجامعاتهم ومدنهم وأحيائهم السكنية، وفي المعتقلات والسجون، قبل الثورة وفي خضمها الراهن، كما يرصد معايشات الناشطين الشباب في حمص وبانياس وبيروت( حيث انتقل بعضهم)، ورواياتهم عن الثورة.
من "جامعة الخواء البعثي"، إلى مشاهد إعدامات ميدانية عام 1983 في حلب، إلى "صالون لضباط الاستخبارات" وسجونهم في بيروت والحرجلي، إلى "شبكات مافيا الفساد والتهريب"، وإلى شباب بانياس في خروجهم من "التصوف إلى الثورة"، يروي هذا الكتاب قصة عن موت الأبد في سوريا، وعن تحررها منه، ليصير لها تاريخ، وليتمكن السوريون من رواية تاريخهم.
قراءة الكتاب تشعرك بالخوف، خاصة لمن يعرف كيف أن الفساد هو القاعدة والاستثناء في أن تكون نزيهاً وشريفاً وصاحب ضمير. وبات نادراً الالتقاء بأشخاص من هذا النوع، في مؤسسات الدولة السورية، لكن صفحات كثيرة من الكتاب تبرع في وصف المؤسسة البيروقراطية التي تتكون منها الدولة، حيث فساد يتركب على آخر، لم تعد تنفع فيه علاجات أو إصلاحات، وهكذا كانت الثورة أفضل طريق إلى الحل، ولكن إلى أين وصلت ؟
كتاب "موت الأبد السوري"، واحد من مؤلفات قليلة، تعري اهتراء الداخل وتفضح أساليب القمع وقساوة أجهزة الأمن، كم أتمنى لو أنه يقع في يد أحد المدافعين عن النظام ليقرأه، عله يجد فيه ما يمكنه من التصالح مع نفسه، ليبدد سحابة الوهم التي تغطي الحقيقة الواضحة أمام عينيه.