بات لصوص الثورات، كما حال سارقي الحروب، ينتظرون الفرصة ليضربوا فؤوسهم في الأرض، معلنين ملكيتهم النصر المنجز، وكذا أحقيتهم بالسباق.

بدأت الثورة بشعارات مليئة بالطاقة الوجدانية التي تحركها أهداف الكرامة والخبز والإصلاح السياسي، ولم تنته، إلى المناداة بإسقاط النظام فحسب، بل ذهبت إلى أن "الشعب يريد إعدام الرئيس".

في أقل من ثلاثة أشهر، كانت أصوات الرصاص تلعلع فوق رؤوس المتظاهرين، وبعدها بأيام، كانت الثورة قد ذهبت إلى مكان آخر. مكان لا يمكن العودة منه دون جراح ثقيلة.. تعقدت الأهداف وكثرت الدماء وأصبح في كل بيت ثائر جاهز للضغط على الزناد، أو حاقد يريد الثأر.

عندما تتعسكر الثورات يصبح من المستحيل التفكير في حلول سياسية، ويذهب حملة السلاح في الثورات، إلى الاعتقاد أن الساسة يريدون الوصاية على الثورة والشعب، ويبتغون احتكار مكاسب المستقبل. لذلك تجدهم يتعنتون ولا يحضرون اجتماعاً إلا والبندقية ظاهرة على الكتف.

وفي المقابل، يفرط الساسة في خطواتهم البطيئة نحو الحل، فيكثرون من الاجتماعات والاتصالات. ويطلقون النداءات ويصدرون البيانات، ومن تحت الطاولة يعقدون الاتفاقات، ومن فوقها يتخوفون من الصدى السلبي لمشهد المسلحين في الشوارع وهم يهتفون لإمارة إسلامية أو لكتيبة تريد تحرير القدس وهي على بعد آلاف الأميال.

الإفراط في التخوف من سرقة الثورة نتج عنه ممارسات وتصريحات ومقالات هي بحكم الوصاية على الشعب، وتمثل احتكاراً للفهم من غير أن تقيم اعتباراً للواقع والظروف، حيث فريق ثالث يقف بين السياسيين والعسكريين، في منطقة شبه رمادية، تأخذه حمية البنادق فيهتف: "الله أكبر".. وتدوخه دهاليز السياسة وتدابيرها، فيشعر بالحيرة والضياع.

أسهمت الترسبات الماضية لحكم الاستبداد في غياب الوعي السياسي لدى كثير من أبناء الثورة الذين ينطلقون من عفويتهم وغريزتهم للتحرر، غير أن ذلك لا يحميهم من لصوص يقفزون على أكتافهم، يقودونهم إلى مكان آخر لا يتفق ومقاصد الثورة النبيلة.. هؤلاء اللصوص الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف. يدركون أن الشعارات الطنانة دويها كبير، فيستعيرون حناجر الثوار للصراخ في مآربهم.

ومثلما غاب الوعي السياسي عن مجتمعات المنطقة سنوات طويلة، سنحتاج فترة زمنية أطول، كي نعيد بناء الوعي الأخلاقي بقيمة الحرية التي تمتد وطنياً وإنسانياً، بلا عضلات تستعرض فراغها السياسي على دروب الثورة التي تدمرها قنابل الأقوى.