تربت ثقافتنا المعاصرة على الماضي، وتكاد تنعدم ثقتنا بالحاضر إذا لم يحاك الماضي، ومن رموز الماضي وأبطاله نستمد الأمل لنستنسخهم ثانية، ولنعيد معهم سيرة (اللي فات واللي كان)، وبتنا الأمة الوحيدة على هذا الكوكب التي عادت إلى الخلف لتشحذ همتها، فغرقت في ماضيها، وتتالت الأجيال تغرق أكثر فأكثر.

كل منجز حاضر لا يأخذ شرعيته إلا إذا قيس بالماضي، وعليه يجب البحث في غابر الزمان عن شخصية مقنعة لتكون حاملاً لفكرة الأفضل، المكتمل والجذاب، حيث البطل هو قاهر الأعداء والشاعر هو فحل الكلام والعالم هو من أغدق عليه الخليفة وقربه من مجلسه، ولا شرعية تذكر للمرأة في ماضي المنطقة، سوى ظلها الوارف جمالاً أو حنانها الفائض الذي لا يقلله الزمن.

يجدر أن تنطوي فكرة العودة إلى الماضي على هدف استيعابه وتجاوزه، وليس العيش فيه والانغماس في تفاصيله بشكل يحجب إمكانية الاستيعاب أو التجاوز، لأن هذا يؤدي إلى حالة من السلبية في التفكير تدفع إلى رفض الحاضر وإنجازاته وتحميله ما تؤول إليه الأخطاء، وينشأ عن ذلك لاحقاً، تضخم القيم السلبية المنسحبة من المشاركة في الحياة المعاصرة، دون الاستفادة من نتائجها، والشاهد على ذلك كل تطورات التقنية وأجيالها المتلاحقة، إذ جاءت من عالم انقطع عن ماضيه بشكل واضح.

الذين يمجدون ماضيهم يضيعون حاضرهم، تماماً مثل الذين يعيشون فقط لأجل تلافي أخطاء أمسهم، لأن الماضي يقتل الحاضر عند الذي لا ينسى، وديكتاتوريته المفرطة تدل على استلابنا لمفهوم الأفضلية الذي كان للأجداد، حيث ترانا نعيش على منجزهم غير عابئين بطرح أسئلة عن حقيقة المنجز العظيم الذي نتباهى به دون الآخرين، وكأن التراث حكر على مجموعة دون غيرها، أو على عرق دون سواه.

كيف السبيل إلى الخروج من نفق التخلف ومن ثقافة الارتداد التراجعي لفكر الاستلاب الماضوي، وكذلك من تكرار المشاريع الفاشلة المدمرة، ومن التشبث بأوهام المستقبل الخادعة التي لم تزل المنطقة سائرةً في مساربها التائهة المعتمة؟ يتساءل علي حرب في كتابه، (أزمنة الحداثة الفائقة)، عن طبيعة الحل وكينونته:

هل في التوقف عن المفاخرة والمقايسة، أم في التجاوز والتحرر من وهم الأفضلية المطلقة؟ أعتقد أن الكثير من أسئلة علي حرب تتوقف عند السلطات الصنمية، التي تمجد ماضيها وتشبه فاسديها بأبطال المعارك والفتوحات، وتعيش في الحاضر على ما تيسر من فتات الدكتاتورية.