ما زالت حالة اللامبالاة تلازم الملايين، وحولهم يتساقط أهلهم صرعى برصاص الظلم، ولا يزال الصمت يغلف خوفهم وقلة تدبرهم بينما الشجاعة تفصح عن نفسها في الميادين والشوارع، ولا يزال مبدأ (اللهم نفسي)، يحكم موقف الناس من الثورة، تلك الثورة التي تبحث عن شرفاء يناصرونها أو بسطاء يمنحونها عفويتهم وفطرتهم وذكاءهم.
قصّة الفلاح الصينيّ، التالية، مثال حي على التضحية والإيثار، فقد كان الشاب الفلاح يقف فوق هضبة عالية مشرفة على المحيط، يستنشق الهواء النقي، ويتأمل حقول الأرز الممتدّة تحت قدميه، وقد قارب وقت الحصاد، بعد أن جفّت العيدان وانحنت بفعل حملها الوفير. امتلأ قلب الشّابّ بالرضا، فها هو الآن يمسح تعب الشهور الطويلة التي قضاها في رعاية الحقل، وها هو يقترب من تحقيق حلمه الكبير بالزواج، بعد أن يبيع محصوله.
غير أن شيئاً مباغتاً، أفزعه وأخرجه من أحلامه. فقد أحس ببوادر هزة أرضية خفيفة، ونظر إلى المحيط، ورأى الماء يتراجع إلى الوراء، فعرف من خبراته البيئية أن كارثة على الأبواب! فالماء حين يتراجع إلى الوراء، إلى قلب المحيط، يشبه الوحش الذي يتراجع إلى الخلف، ليستجمع كلّ قواه كي ينقضّ على ضحيّته بعنف. وسرعان ما أدرك الشاب الذكي حجم الكارثة التي ستتعرض لها القرية الصغيرة الراقدة في أسفل الهضبة، والتي يسكنها فلاحون فقراء لا يملكون في الحياة، سوى أكواخهم المتواضعة.
لم يكن الوقت كافياً للنـزول إلى القرية لتحذير الناس. فصاح الفلاح من فوق الهضبة حتى كادت حنجرته تنفجر، لكن لم يسمعه أحد. وبعد لحظات من الحيرة والقلق، اتخذ الشاب قراراً حاسماً، فأشعل النار في حقله الصغير، ليثير انتباه الفلاحين في الوادي. ونجحت حيلة الشاب الصيني، فقد تدافع الجميع صاعدين إلى أعلى الهضبة لإنقاذ الحقول، بينما هبط هو ليلاقيهم في منتصف الطريق، ثم يسارعون إلى التقاط أطفالهم وحاجاتهم القليلة، قبل اندفاع الماء إلى قريتهم.
لم يتزوج الشّابّ في تلك السنة، ولم يسدّ احتياجاته الضرورية، ولم يفّ ديونه، ولم يشتر فستاناً لأخته الصغيرة، ولم يأخذ أمّه العجوز إلى المدينة للعلاج والاستشفاء من الآم الروماتيزم! لكنه أنقذ أرواح قرية كاملة، وأصبح عمدتها لأنّه أثبت قدرته على تحمل المسؤولية.
أليست حكاية بسيطة كهذه تعطينا مثالاً رائعاً عن مفهوم التضامن والتضحية والإيثار، التي طالما ذكرت الكتب المدرسية إنها من صفات العربي وزادت عيها الشهامة والمروءة، وزينتها بالشعر والحكم والأمثال.. أم أن تلك الصفات اندثرت مع عصرها وحلت محلها الأنانية والفردية و (اللهم نفسي)؟