يميل الناس إلى تصديق الأخبار عن محيطهم، وخاصة إذا كانت لمن سبقوهم في هذه الدنيا. ويميلون إلى مشاهدة جزء من الحقيقة، ويعمل بعضهم على تكبيرها لتصبح كرة ثلج، وهناك فريق ثالث مهمته إعطاء الإشاعة صفة الخبر، ورابع يغلق عينيه عن التحري وينقل الخبر إلى أجهزة الإعلام، فيصدقه الناس كما هو دأبهم بشأن تصديق الإعلام. وهكذا تتحول الحقيقة إلى كذبة تتناقلها الأخبار.

وفي الأمثال الشعبية قيل (من أغاظك؟، قالوا الذي بلغك). وطبعا، الإغاظة درجات، فإذا كان الرجل حكيماً تفاداها، وإذا كان ساذجاً أصابته في موقع الحيرة والحزن، وكان سقراط محباً للإصغاء ضعف محبته الكلام، إذ كانت الأخبار إحدى متعه في الدنيا. وسئل ذات يوم عن أحب الأمور إلى نفسه، فقال "سماع الأخبار"، لكن أي أخبار تلك التي أحبها الحكيم.

هذه القصة تظهر فلسفته في فهم الأمور وحكمته في تصديق الخبر، صادف سقراط يوماً، واحداً من معارفه خاطبه بلهفة: "أتعلم ما سمعت عن أحد تلاميذك؟". فرد سقراط: " انتظر لحظة قبل أن تخبرني ما سمعت، أودك أن تجتاز امتحاناً صغيراً من ثلاث أسئلة: هل أنت متأكد أن ما ستخبرني به صحيح؟ رد الرجل : لا..

في الواقع أنا سمعت الخبر، فقال سقراط: حسنا.. إذاً، كنت ستخبرني بخبر أنت غير متأكد من صحته. فلنجرب السؤال الثاني: هل ما ستخبرني به عن تلميذي شيئاً طيباً؟ أجاب الرجل: لا.. على العكس. وتابع سقراط كلامه: حسنا، إذاً كنت ستخبرني بشي ء سي ء عن تلميذي، على الرغم من أنك غير متأكد من صحته، فلننتقل إلى السؤال الثالث: هل ما ستخبرني به سيفيدني؟ رد الرجل: في الواقع لا. واستمر سقراط في كلامه: إذاً، كنت ستخبرني بكلام أنت غير متأكد من صحته.. وليس كلاماً طيباً... وليس مفيداً أو ذا قيمة.. إذاً لماذا تخبرني به؟".

حكمة الحياة تقتضي توافر الفائدة في مضمون ما يقوله الناس، وليس نشر الأخبار بطريقة "العنعنة"، أي نقلاً عن فلان وفلان الذي نقلها، بدوره، عن آخر، ذلك دون التأكد من صحتها. ولا شك أن المواقع الاجتماعية، كالفيسبوك وتوتير، أخصب أرض لزرع الأخبار دون التأكد من صدقها، أخبار سرعان ما تلتهم عقول السذج فيصدقونها ويتناقلونها، فيعم الحزن والألم.