أين تقف البرجوازية الوطنية من الثورات العربية، وأين هو دورها في الحراك الشعبي في دول الربيع؟ ولماذا ظلت صامتة شأنها شأن حلفاء السلطات الديكتاتورية؟ وهل حقاً أن البرجوازية العربية تحالفت مع الديكتاتوريات فاستفادت وتضخمت ثرواتها وأصبحت مصلحتها في بقاء هذه الأنظمة، وليس في زوالها أو تبديلها؟

إنها أسئلة محرجة طرحناها مطلع (الشعب يريد إسقاط النظام)، وها نحن نطرحها مع (الشعب يريد إعدام الرئيس).

أين تقف نخبة البرجوازية الصغيرة من مثقفي الطبقة الوسطى، مثل الأدباء وأساتذة الجامعات وغيرهم، في قيمة أعمالها وتحركاتها الفوقية المعزولة عن طبقات المجتمع وشرائحه، التي ترزح تحت الاستغلال والقهر؟ وهل أن البرجوازية المثقفة لا ترى أي قيمة لتحركات الجماهير الواسعة من العمال والفلاحين والطلاب وفقراء المدن، طالما أن تحركاتهم لا تعبر عن أهداف النخبة ومطالبها؟

ماذا نقول عن انقسام فناني الدراما ومطربي الكليبات، الذين اصطفوا مع ضباط المرابع الليلية و"سهيرة" الفجر، قبل توجههم إلى تحرير أرضهم المحتلة؟ فنانون عاشوا طيلة حياتهم تحت الضوء، بعضهم لم يألُ جهداً في تمجيد القائد المنتصر وحمل أوسمته من معاركه الوهمية، والبعض الأخر يقتات على فتات موائد أبناء السلطة وأحفادهم، ويضرب بسيفهم ويلهج بذكرهم وحمدهم.

منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى الخمسينيات والستينيات منه، لعبت البرجوازية الوطنية دوراً فاعلاً في تحقيق الاستقلال، وفاوضت المستعمر بندية، وقارعته في المحافل الدولية. ويذكر التاريخ أن فارس الخوري، أحد رجالات الاستقلال في سوريا، جلس مكان المندوب الفرنسي في اجتماع لعصبة الأمم، فطلب منه المندوب الفرنسي مغادرة مقعده، فرد فارس الخوري : إنك لم تحتمل ان أجلس في مقعدك 25 دقيقة، بينما فرنسا تحتل بلدي منذ ربع قرن.

أين البرجوازية الوطنية اليوم..؟ تلك الطبقة التي كانت تغذي الحياة السياسية والعلمية والاجتماعية، بالأطباء والمحامين والمدرسين والمهندسين، وكانت كل عائلة ترسل أحد أبنائها إلى الكليات العسكرية، وتلعب دوراً فاعلاً في الحياة السياسية، عبر أحزاب وتكتلات برلمانية. أين منها أحزاب وتكتلات اليوم حيث لا يجيد بعض البرلمانيين، القراءة والكتابة، ناهيك عن ما فعله العسكر بالحياة السياسية، إذ إن الكل أصبح يتلقى الأوامر من الثكنات، والقلة التي تعترض، تذهب إلى السجون.

مثلما اختلف دور البرجوازية، يختلف الحكم عليها، وتكاد اليوم تكون فرصتها ذهبية للعودة إلى موقعها الطبيعي في الريادة والتطوير، وليس في الانقياد والخنوع و(الحيط الحيط ويا ربي السترة).