"القارئ الجيد يريد أن يصبح كاتباً" مقولة للشاعر الراحل محمد الماغوط، تعيد إلى الذاكرة مفهوم القدرات والرغبات، إذ يرى البعض أنه يمكنهم ركل الكرة كما يفعل الرياضيون، أو يمكنهم الغناء كما تفعل شاكيرا، وقد يعتقدون بأنهم يتفوقون على شاروخان في الرقص، دون النظر إلى «القدرات» التي هي مصدر التميز كموهبة فطرية، لا تكتسب بكثرة المران، بل المران يصقلها.

القارئ الجيد هو الذي يبذل مجهوداً يستوعب "مغزى" ما يقرأ، ويستمتع بالفكرة؛ أي أن يقرأ قراءة نقدية تطرح الأسئلة لتقييم مناقشات الكاتب. وحسبما يقول الكاتب رون فراي: «لا تصدق كل ما تقرأ، بالكامل، لأنك ستعاني من وهم أن كل ما هو مكتوب حقيقي».

«لا بد من وجود كاتب رديء باستمرار، وذلك لأنه يشبع الأذواق التي لم تتطور بعد، ويستجيب لثقافة الأجيال التي لم تتشكل بعد»، مقولة أخرى لنيتشه تذهب نحو انتشار الكاتب الرديء وتحميل الجمهور هذه المسؤولية، والحديث عنه ومعه بوصاية إيديولوجية أو أبوية أو معرفية.

لقد جاء الكاتب الرديء من مأزق المعرفة السطحية لمجتمعات الرأسمالية العشوائية، التي تعاني من انحطاط روحي في فهم الثقافة وإنتاجها، مثلما تعاني من ضياع دليلها نحو المستقبل، فتتكوم خائفة من الغد المجهول، حيث تسود سيكولوجيا مركبة من الخوف الجمعي والكسل والفقر المعرفي والبحث عن (حفر امتصاصية)، لتنفيس الاحتقانات في أرخص الأشياء الممكنة التي لا تترتب عليها أي أعباء كانت.

ترى، هل كان ذلك الكاتب «الرديء» قارئاً جيداً ذات يوم على الطريقة «الماغوطية» فلم يدرك قدراته الفردية، لكنه سارع إلى إغراق المكتبة بعشرات المطبوعات التي تتوافق مع ذائقة اللاجمال، أو الكتابة بطريقة النجوم، لأن وهم الشهرة يتقدم على هموم الكتابة المعنية بالكشف المغامر والمتعة المعرفية، والمشهد الأكثر قتامة في معرض الكتاب هو اصطفاف الناشئة أمام الكتب الرديئة للحصول على تواقيع كتابها!

الذي يروج تلك النوعية من البضاعة هو المزاج الهابط في تذوق الكتابة والروائح والأغنيات والثياب، وصولاً إلى المزاج الاقصائي الساخط على كل شيء، غير المتقبل للآخر بوصفه مختلفاً، ناهيك عن النظرة المتعالية إلى الذات، واستصغار الآخرين لأنهم ينتمون إلى لون أو دين أو جنس مختلف.

كيف يمكن لعقلية كهذه أن تنتج ثقافة أصيلة في مجتمعها؟!.