في النصف الثاني من القرن العشرين درجت موضة توزيع الشهادات الثورية على الوطنيين والشرفاء والمناضلين في سبيل قضية كبيرة، وكان السبيل إلى تلك الشهادة أن تكون ناصريا فكراً وقلباً، أو أن تكون مناصراً للقضية الفلسطينية ومدافعاً عنها في المجالس والمحافل وأمام غير الثوريين، وهؤلاء الذين يصنفون في خانة العملاء والرجعيين وفي نهاية المطاف هم خونة.
أحياناً لا يكفي أن تكون ثورياً بالفكر واللسان، إذ عليك أن تتمسلك بسلوك الثوار مظهرياً، كما فعل كاسترو بسيجاره الكوبي العتيد، أو بقبعة جيفارا الشهيرة، أو لحية لينين، أو بكوفية ياسر عرفات على الكتفين.. عندها يمكنك أن تكون حققت نسبة عالية من النجاح في امتحان الشكل الثوري، ولا بأس ببعض الإضافات مثل السترة العسكرية (فيلد) فــوق بنطـــال جينز قـــديم وحذاء رياضي ولحية نابتة وشعر لم يرَ الماء منذ مدة.
كانت تلك المظهرية مدخلاً للفرز السياسي لدى (أجيال الثورة) في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وكان على الرفـــاق الأقـــدم في المظهرية أن يمنحوك شهـــادة (ثوري) ناهيك عن الانسلاخ الطبقي والثقافة الاحادية التي تركز على معرفة تاريخ الماركسية في العالم، ولا بأس بترديد مقولات مثل (الدين أفيون الشعوب) أو (من لا يعمل لا يخطئ) أو (كل قلوب الناس جنسيتي.. فلتسقطوا عني جواز السفر)، ومن الضروري ملازمة المقـــهى سحابـــة النهار وجزء من الليل، واحتدام النقاش حتى يكتمل المشهد.
عندما وصلت النظريات الثورية إلى المنطقة كان العسكر يرفضون التفكير ويعدون العدة للقفز على السلطة، وكان البيان رقم واحد المختبر الوطني المضـــاد للمظهريــة، لذلك تحولت أشكال (الثورجيين) إلى أيقونـــة رومانسيـــة تربـــط الأرض بالحبيبة والوطن بالأم والنظرية بالقصيدة، فتكاثر الشعراء والكتبة يؤازرهم جيش من المنظرين الذين يحملون كتبـــاً مبقعـــة بالقهــــوة ورماد السجائر ولديهم تاريخ من الاعتقالات التي يفاخرون بها للفوز بلقب (بطل ثوري).
ولت تلك الأيام تاركة ندبها على النصف الثاني من القرن العشرين، وانتصرت جيوش البيانات رقم واحد وتحولت أحـــلام الثوار إلى أطـــلال (كباقي الوشم في ظاهر اليد) ولم يبـق منها سوى ذكريــات تشبه الأفـــلام القديمــــة ينظر إليها المرء كمتفــــرج في صــالة الزمــن، وقد بعُدت المسافة بين الفكرة وبين التطبيق، بين شكل الثائر وأفعاله، حتى يخـــال المـــرء أنها حكاية من كتاب تاريخي ممـــل وقليـــل الفائــــدة، وبقت على جدران الذاكرة شهــــادة الثائر المظهري الذي فقد بوصلته فأضـــاع الطـريــق وفقد الهدف.