بات العالم ينظر إلى مصر نظرة مليئة بالاحترام، وراح البعض يؤرخ للعصر الحالي بـ(قبل 25 يناير، وبعد 25 يناير)، وهذا يدل على أن مصر تقدمت في درجة الاهتمام العالمي إلى مصاف الصدارة، حيث كانت ميزة الثورة الإصرار والصبر والتحدي، وقبل كل شيء الإيمان بقدرة الشعب إذا أراد الحياة.
مصر في المحافل الدولية بلد مؤثر له طيفه السياسي والثقافي، فضلا عن الجغرافيا التي جعلته بوابة العالم إلى الإسلام، وبوابة افريقيا إلى العالم، ويكاد المرء يلمس حجم الحركة في مطار القاهرة الدولي ليدرك أن نصف الطائرات الذاهبة من جنوب القارة السمراء إلى أوروبا تتوقف في مطار القاهرة، ويجد ساسة افريقيا فيها مجالاً واسعاً لاختراع نظريات حكم القبائل وسحق المعارضة.
في مصر تتسع المساحة للغرباء كي يعيشوا بعدد قليل من الكلمات، تلك الكلمات التي سمعوها في السينما فأصبحت الحياة بسيطة لدرجة كتابة رواية من ثلاثمائة صفحة لا تكلف سوى سهرتين متتاليتين في الحسين ويتكفل الناشر الشاطر ببقية المشروع، سهولة الحياة تقود إلى حب العيش قرب الضجيج حيث ينام الناس تحت الكوبري بدلاً من العودة إلى قراهم، كما يجد الغرباء فيها من هم أغرب منهم فيأنسون لهم حتى قالت العامة (الغرايب قرايب).
لكن العالم اليوم يحتفي بمصر من موقع الفرادة التي كانت عنوان شبابها الذين ذهبوا إلى المستقبل ليس من موقع فقرهم أو شظف عيشهم بل ذهبوا إليه من كرامتهم التي أصابها العطب، ومن اعتدادهم بتاريخهم الذي مسحه الساسة وحولوه إلى سياحة، ومن يأسهم الذي أصبح شعاراً لغدهم، ففجروها ثورة صلبة على أوضاعهم، وها هي مصر تنهض من كبوة الدرب والعالم يرفع لها القبعات.
لقد كانت مصر طيلة سنوات من التاريخ المعاصر رمزاً لكل بلدان العالم الثالث، وكانت فخراً ثقافياً لكل من يريد الشهرة في عالم الفن، وفيها تعايشت المدارس الفكرية ونمت مؤسسات الصحافة وعرف العرب ألمع كُتابهم وأشهر مبدعيهم، وفيها تأسست منظومة اكتشاف مصر، حيث تسابق الألمان والفرنسيين والاسبان وكذلك فعلوا مع الروس لإطلاق معاهدهم الثقافية.
مصر كانت ضيف شرف مهرجان كان وسط إعجاب صُناع الفن، ووسط عالم يمور بالنزاعات، ولسوف تكون في موقع الصدارة لسنوات في محافل العالم، ولسوف يشعر أولادها بالفخر، لأنهم أرادوا الحياة.. فاستحقوها واستحقوا احترام المعمورة.