من قاموس الحراك الشعبي العربي وإفرازاته الإعلامية وصلنا عدد كبير من الكلمات والمصطلحات التي يحتاج رصدها إلى معهد أبحاث متخصص في المتابعة والرصد، شريطة ألا يكون تابعاً لأي جهة أمنية من تلك الجهات التي تتخذ لنفسها أسماء مشابهة، مثل: شعبة الرصد والتدقيق، فرع المتابعة والتنصت، وحدة المراقبة الخاصة، قسم المعلومات والتجسس... إلخ.

 

قاموس اليوم فيه ما يغني المؤرخين لسنوات لتأليف كتب عن حال تلك الشعوب التي تتوق إلى الحرية ولم تجربها، إلى السياسة ولا تعرفها، إلى العيش الكريم ولا سبيل إليه، إلى بلاد بلا طوارئ وهي لا تعرف ما هي الطوارئ.

 

وربما سنشهد قريباً في المكتبات نماذج لما يطلق عليه كتب الاجتماع التي تدرس حال الناس وتحولاتهم مدعومة بالوثائق أو بالعبارات المستلة من هتافات الحشود، ومن سخرية الناس أو استغرابهم كما كان يوم استخدم سعيد الصحاف (وزير الإعلام في عهد صدام حسين) كلمات مشابهة مثل: العلوج والطراطير.

 

في الخزانة اللغوية اليوم ما يعجز عنه المترجمون لكثرته ولصعوبة اشتاقه (البلطجية وتعني بالتركية حامل الفأس، الشبيحة وهي عبارة يعرفها جيداً أهل بلاد الشام ومعناها السلب والترهيب، المندسون (مصطلح إعلامي رسمي)، الزعران..

 

كلمة مألوفة في القاموس الشعبي استخدمها توفيق الحكيم في احدى مسرحياته وتطلق على الحمار الذي قُطع ذيله، المهلوسون، ق.ث «قبل الثورة» ب.ث «بعد الثورة»، زنقا.. زنقا، وأجزم أنها كلمة يصعب ترجمتها، ناهيك عن (تصفير العداد)، وهذه العبارة مشتقة من قاموس سائقي سيارات الأجرة اُستخدمت في اليمن للدلالة على أن الزمن لن يعود للخلف).

 

والعداد بالعداد يذكر، فقد تذكرت سائق سيارة أجرة في الإسكندرية خلال (توصيلة) من محطة الرمل إلى مكتبة الإسكندرية، حيث نظر السائق إلى مجموعات من الشباب والبنات الذين يسيرون بمحاذاة البحر وقال:

 

الشاب يتخرج من الجامعة ما يلاقيش شغلانة، يروح القهوة يضرب حجرين (يدخن الشيشة) وبعدين يلاقيلو واحدة يتصرمح معاها (يتسكع) على الكورنيش، جيل ملعوب بعدادو. وهي خلاصة حكمته كسائق تكسي تجاه البطالة وضيق العيش!

 

لقد أعطت الشعوب فسحة لخيالها لتستعيد من خلاله ما نسقته الذاكرة ورمته في ركن مظلم، لكن تلك الكلمات تعود اليوم، وكأن الزمن توقف لدى مرحلة سياسية أو اجتماعية فعادت من جديد إلى الظهور، والحكمة مما تقدم أن نصف قرن من الوطنية الثورية والقومية بعد خروج المستعمر لم تكن إلا فوضى أدت إلى ما نحن فيه، أو ما نحن في طريقنا إليه.