في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، أفرزت أدبيات السياسة جملة من المصطلحات أُطلقت توصيفاً على كل من لا ينتمي إلى منظومة فكرية معينة، فالذي يخلص في عمله.. متسلق، والذي ينفذ تعليمات مديره.. متملق، والطامح إلى تعزيز عمله.. وصولي، وكل من حصل على أدوات مكتبية وأقلام ودبابيس ومسطرة أو ممحاة.. انتهازي. وهكذا تضخم قاموس الوصف البلاغي الموجه ضد من لا نحبهم، لا نحبهم لأنهم ليسوا مثلنا!
جاءت مفردات تلك المرحلة من طبيعة الخطاب الأممي للشيوعية المستوردة، مرة من الاتحاد السوفييتي، وأخرى من الصين الشعبية وثالثة من كوريا ورابعة من كوبا وخامسة من ألمانيا الديمقراطية، خاصة أقوال ونظريات الرفيق إريش هونيكر صديق الشيوعيين العرب !، تلك المفردات لم يكن لنا فيها سوى فضل الترجمة، والتسويق بين شريحة الشباب، وخاصة طلاب الجامعات الذين سرعان ما يطلقون كلمة رأسمالي على كل من يرتدي ثياباً نظيفة.
كانت الثياب النظيفة ذات مرحلة فرزاً طبقياً وسياسياً، وكانت الهيئة الرثـــة واللحيـــة النابتـــة ولفافـــة التبـغ الرخيصة التي تكاد تحرق الشفتين دليلاً على الرفاقية أو على الانتماء إلى المسحوقــــين من الناس، جاءت تلك المفاهـيم البائســــة.
وذلك الفرز السطحي من ضعـــف المعرفـــة ورخـــاوة الاستـــــلاب نحو الشكل الغيفاري (نسبة لغيفـــارا) لحياة مأمولة فيها فتيات ثوريـــات وحيـــاة حـــرة مفتوحـة الأبواب نحو كل ما له علاقة بالتمرد ناهيك عن حب القراءة، قراءة الأدب الثوري الذي كانت تشحنه الدول الصديقة بملايين النسخ، وفي الطليعة كانت دار التقدم (رادوغا) السوفييتيـــة وتــوزعه بالمجان.
من تلك العوالم تم استيراد المصطلحات، فكل شخص اتخذ في حياته مسار نبات اللبلاب هو يتسلق على دعامات من الأجسام الأقوى ليكبر وينمو ليفوقها طولا وخضرة بعد فترة.
وكل باحث عن جواز سفر لإتمام تعليمه، أو للبحث عن لقمة العيش هو امبريالي، إلى ذلك كان واجب الثورات حماية الرفاق من هذه الظاهرة، وتطويق آثار المغريـــات التي تساعد على ظهورها، أو التغيرات المفاجئــة في حالة الأفراد. وبذلك تصبح القاعدة العامة هي: حماية الأعضاء من المغريات المعنوية والمادية وعدم إثارة ميول النفعية والأنانية، والحسم الصارم مع الانتهازية حال بروزها.
وعليه أصبح لدى الرفاق معتقلات، وجلادين، وطوارئ، ومكافحة الشغب، حتى تحول وطن الرفاق إلى سجن كبير الجميع فيه متهمون حتى تثبت إدانتهم.