تقسو الحياة على بعض البشر فتجعلهم شهوداً في الحكايات، وتظلم بعضهم فتجعلهم يصغون إليها، وتنصف فريقاً ثالثاً فتحولهم إلى أبطال يرون مآثرهم وفتوحاتهم، وما أقسى الإصغاء إلى ذات الحكاية أكثر من مرة، حكاية تخلو من المتعة، ولا معنى لها أو فائدة، سوى تمجيد بطلها أو راويها أو مخترعها، كل مرة تروى بطريقة مملة تدفع إلى السأم واليأس.

 

ذات حكاية قال الراوي (البطل) عندما كنت في سهول آسيا انقض عليّ نمر أرقط بحجم ثور، فعاركته حتى صرعته، فوصل خبر شجاعتي إلى الملك، فطلبني، فمثلت بين يديه، فأثنى على شجاعتي وأمر بتعييني مدرباً في حديقته الشاسعة التي ترمح فيها الريح.

 

وفي حكاية أخرى قال الراوي (نفس الراوي) عندما كنت أتجول في أحد شوارع أفريقيا هاجمني أسد عملاق يفوق الجمل حجماً، وعلى مرأى من الناس بطحته أرضاً وأشبعته ضرباً فطار خبري إلى ملك الزولو (قبيلة أفريقية) فصادوني إليه وهم يرقصون حولي رقصة النصر فأكرمني وأمر لي بضيعة مليئة بالأسود والقرود والغيد الحسان.

 

المبالغة في الحكاية يعد أمراً مقبولاً يشبه الملح في الطعام، ولكن يعاف الناس الطعام لو زاد ملحه، كذا هي حكاية البطولة لدى من يرويها، فهو لا يكتفي بدور الراوي، بل يطمح إلى البطولة، وكثيراً ما تكون البطولة مليئة بالادعاء والكذب، فمن سيصدق حكاية النمر والأسد والملوك؟

 

سيئو الحظ هؤلاء الذين تتكرر على مسامعهم ذات الحكاية لذات الراوي، فكلما التأم جمع جديد سرد الحكاية، وكأنه يرويها لأول مرة، فيصاب المرء بالإحباط ويكاد ينصرف لولا الخجل من جمع الناس، ويكاد أن يقول للراوي الممل لقد سمعت حكايتك من قبل، لكنه يدرك أنه سيطلب منه الإصغـــاء لأن فيهــا إضافــات جديدة، أو يطلب منك أن تكون شاهداً على بطولاته!

 

إنها قسوة مطلقة أن تتحول من مستمع إلى شاهد (ما شفش حاجة) في حكاية جرت أحداثها في كوريــا كان الراوي يجــــالس الرئـــيس كيم إيل سونغ، عندما طلب منه الرئيس أن يلاعبه الشطــرنج أو الكاراتيه، هل توافقه الحكاية وتهـــز رأسك وأنـــت تقـــول طبعاً.. طبعاً، أكيد، أم تصمت فتتحول إلى شاهد زور أم تطلـــب منه إيقاف الحكاية لأن فيها أسراراً دوليـــة، فلعله يفهــــم أو لعلـــــه يخاف.

كيف يخاف وهو جليس الرؤساء والملوك وقاهر الأسود والفهود؟!