من نافذة صغيرة يراقب المرء أحداث العراق، ومن ثم يعود إلى ملل حياته، لكن رواية «جنود الله» للروائي السوري فواز حداد، والصادرة عن دار رياض نجيب الريس، تفتح الباب واسعاً لإطلالة صادمة نحو العراق بمفهوم الأبوة والحنان والقتل والخطف والجهاد والخيانة والعمالة والدمار والموت.. الموت.

 

هالني أن أقرأ رواية من ‬455 صفحة تدور معظمها داخل العراق، ولكن الصفحات الأولى تدفع نحو صفحات أخرى تتلاحق صعوداً عبر (فلاش باك) لرجل خمسيني دخل إلى العراق للبحث عن ابنه الذي انخرط في تنظيم «القاعدة»، ليكتشف إن ابنه أصبح مرجعية لعدد من الشباب الراغبين في تفجير أنفسهم وسط تجمعات عامة.

 

يتوغل الأب المصدوم من سلوك ابنه داخل العراق، بمساعدة ضابط أميركي، وبمعرفة المخابرات السورية، لإقناع ابنه بالعودة إلى وطنه، لكنه يتعرض للخطف على أيدي بعض العصابات، التي تبيعه بدورها لتنظيم إرهابي، ليذبح على الهواء، لأنه كافر وخائن، غير أن الشاب يتعرف إلى صورة والده بعد نشرها في التلفزيون، فينقذه، لتدور حوارات مطولة.. مطولة عن مفهوم الجنة والشهادة والجهاد وبر الوالدين.

 

ووسط محاولات الأب إقناع الشاب بالعودة إلى أمه وأخته، تداهم المروحيات الأميركية الموقع القاعدي، ويصاب الأب بجروح ثخينة، ويفر الابن، وبعد أيام ترمي القوات الأميركية الأب على الحدود السورية وهو في حالة يرثى لها، ليبدأ رحلة العودة براً إلى دمشق، وقد تلاشت ذاكرته، سوى لمحات وامضة لأحداث متفرقة بقيت في تلافيفها .

 

لا تغني أي كتابة تفصيلية عن النص الأصلي الذي كتب بلغة خالية من البذاءة والجنس، أو من الشتائم السوقية، وعلى الرغم من وحشية الأحداث التي يراها المرء عبر التلفزيون، لم تقفز الرواية فوقها بطريقة بهلوانية، بل عملت على تقديمها بكتابة مشهدية تشبه لغة الكاميرا السينمائية، حيث فصلت ما احتاج إلى تفاصيل، وتجاوزت ما لا يشكل إضافة إلى الصورة العامة.

 

تعيد لغة فواز حداد إلى الأذهان طريقة الروائي البريطاني غراهام غرين، الذي يعتمد الكتابة التصويرية للشخصيات والأحداث، وكأن كاميرا سينمائية تلتقط المشهد، فيتكون واضحاً في ذهن القارئ، ولعل هذا الالتقاط الذكي للمشهد دفع المنتجين والمخرجين إلى الاهتمام بالرواية لتحويلها إلى عمل درامي، تبدو عوامل نجاحه ظاهرة للعيان.