نظر جاك بريغز إلي وقال: »ما كان يمكن أن تحصل على عرض أفضل يا دنيس، فلمَ لا تواصل البقاء في دبي، حيث ان الحاكم يحبك، ويرغب بأن تواصل البقاء«. كان العرض كريماً حقاً، ولكنني كنت مصمماً على أن أعيش حياة مختلفة.

كانت دبي مطلع الخمسينات من القرن الماضي، تشهد شيئاً ما كنت لأوافق عليه، ولكنني، باعتباري أجنبياً، وبوصفي شخصاً مسؤوليته الوحيدة إدارة محطة إذاعة صوت الساحل، فإنه لم يكن منوطاً بي أن أسدي النصح إلى المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، حول أمور تتعلق بأشياء أخرى غير محطة الإذاعة التي أديرها.

ولكن الشيخ راشد لم يكن بالحاكم الذي يحجم المرء عن مصارحته برأيه، والتوجه إليه في أية قضية تتعلق بالشأن العام، ولذا فقد مضيت ذات يوم إلى مجلسه، وجلست لبعض الوقت أصغي لما يدور من أحاديث، وأخيراً سألني الشيخ راشد عما إذا كنت قد قدمت إلى المجلس لشيء محدد، فقلت له إنني لا أريد أن أهدر وقته حول شيء محدود الأهمية، ولكنني أريد أن أتحدث معه على انفراد.

انتحى بي الشيخ راشد جانباً في المجلس، مضينا نتجاذب أطراف الحديث فأشرت إلى أنني كنت قد لاحظت أن دبي تجتاز مرحلة تشهد فيها الكثير من عمليات الهدم والبناء. فقال إن ذلك كان ينبغي أن يحدث قبل وقت طويل، ولكنه في السابق لم تكن لديه الأرصدة المالية الضرورية.

فهو على سبيل المثال كان آنذاك يشيد جسراً يربط بين بر دبي وديرة لكي يستطيع الناس الانتقال من جانب إلى آخر بالسيارة، فأشرت إلى أن من الأمور الفريدة في ما يتعلق بدبي، البراجيل العديدة التي تعلو الكثير من الأبنية الموجودة فيها، وليس هناك أي مكان آخر في العالم يضم مثل هذه المباني الفريدة من نوعها.

أشار الشيخ راشد في معرض الرد على قولي، إلى أن الكهرباء قد أدخلت الآن إلى المدينة، وبوسع الناس استخدام أجهزة تكييف الهواء التي تعد أكفأ بكثير من أي نتيجة يمكن أن تحققها البراجيل في هذا الشأن، وسألني: «ما جدوى الاحتفاظ بالبراجيل إذاً؟».

قلت للشيخ راشد إنني قد سافرت إلى بلاد عديدة مختلفة في شتى أرجاء المعمورة، ولكنني لم أشاهد البراجيل، التي تميز خط الأفق في دبي، عن أي مكان آخر. والناس يسافرون في مختلف أرجاء العالم باعتبارهم سياحاً لكي يطلعوا على مشاهد تعد بالنسبة لهم غير مألوفة، فلماذا لا يترك منطقة حول حي البستكية ببراجيلها ذات البناء الجيد، بحيث يستطيع الزوار أن يروا كيف أن سكان دبي في الأيام الخوالي كانوا مبدعين حقاً، في المعركة التي يشنونها على الحر الشديد الذي يغدق على المدينة في فصل الصيف.

كان بمقدوري أن أرى الشيخ راشد قد مضى يمعن التفكير في ما قلت لتوي، وقال لي بعد برهة: «ربما كنت على حق يا شايب». وكان هذا اللقب الأخير هو اللقب الأثير الذي يناديني به، وبعد ذلك توقف هدم المنازل ذات البراجيل في منطقة البستكية.

ثم جاء ذلك اليوم الذي اتصلت خلاله هاتفياً بصديقي الشاعر ورئيس تحرير مجلة «شعر» البيروتية يوسف الخال، وقلت له إنني قد قررت الرحيل عن دبي، فهل بوسعه أن يجد لي شقة في العاصمة اللبنانية؟

وفي التو أبلغني بأن هناك شقة صغيرة للإيجار في البناية نفسها التي يقيم بها، فطلبت منه استئجارها لي.

أبلغني جاك بريغز، الذي كان في ذلك الحين قائداً لشرطة دبي، بأن الشيخ راشد يريد رؤيتنا معاً، وهكذا مضينا سوية إلى مجلسه.

قال لي الشيخ راشد إنه قد سمع بأنني أفكر في مغادرة دبي والانطلاق إلى بيروت. ألست سعيداً في دبي؟ ألست سعيداً بإدارة محطة الإذاعة؟ وسألني عن الراتب الذي يدفعه البريطانيون لي للعمل مديراً للمحطة، وعندما أجبته ضحك وقال إنه سيسعده أن يدفع لي ضعف هذا الراتب، وعندئذٍ سألته عما إذا كان لا يروق له أن يكون شخص إنجليزي مسؤولاً عن إدارة محطة إذاعة تبث باللغة العربية في بلد عربي.

رد الشيخ راشد على سؤالي بسؤال آخر، حيث قال: «ما وجه الخطأ في هذا، إنني لا يهمني إذا كنت إنجليزياً أو صينياً طالما أنك تدير محطة الإذاعة بشكل جيد، فامكث في دبي إذاً، وسأضاعف راتبك وأعطيك داراً أفضل لتقيم بها».

ثم قال لي الشيخ راشد، إنه كان قد سمع بأن لدي خبرة في العمل التلفزيوني فرددت على سؤاله بالإيجاب، وقلت إن لدي بالفعل مثل هذه الخبرة. فقال: «إننا سنقيم محطة تلفزيون محلية وسنعهد إليك بإدراتها».

تطلع إلي الشيخ راشد مستفهماً، بينما كنت أهز رأسي وقال لي: «على الرغم من أنك ستعمل في حكومة دبي، فإنني سـأسمح لك بأن تفتح مكتباً للإعلان هنا، بحيث تستطيع أن تحقق دخلاً جيداً».

تطلع الشيخ راشد إلى جاك بريغز وقال: «إنك تعرف الشايب فهو صديقك، وأنت الذي أحضرته إلى هنا. ما الذي يريد أن أفعله من أجله لكي يواصل البقاء في دبي ويصبح رجلاً غنياً؟».

نظر جاك بريغز إلي وقال: «ما كان يمكن أن تحصل على عرض أفضل من هذا يا دنيس، فلمَ لا تواصل البقاء في دبي، حيث إن الحاكم يحبك، ويرغب بأن تواصل البقاء». كان العرض كريماً حقاً ولكنني كنت مصمماً على أن أعيش حياة مختلفة.