تبين أن ذلك العشاء سيغير مجرى حياتي فقد أشار جاك بريغز خلاله أنه يعمل رئيساً للشرطة في دبي وأن اسمي طرح منذ مدة لتولي مسؤولية إذاعة «صوت الساحل» فيها، فذكرت.. إنه يسعدني كثيراً القبول بالوظيفة  بعد أن تركت عملي أستاذا للغة الإنجليزية في جامعة فؤاد الأول، والتي تحمل الآن اسم جامعة القاهرة في العام 1949، عملت لفترة قصيرة مع شركة تدعى «دولا رو» الاختصاصية، في طباعة طوابع البريد والأوراق النقدية للعديد من الدول في مختلف أرجاء العالم.

وعلى الرغم من أن توظيفي كان بسبب معرفتي باللغة العربية، فقد فوجئت، بعد الانتهاء من تدريبي، بإرسالي إلى بلاد فارس، كما كانت ايران تدعى في تلك الأيام.

وعلى الرغم من حصولي على عقد للشركة لطباعة أوراق نقدية في البلاد، متخطيا كل الصعاب، فقد تم الاستغناء عن خدماتي. وعندما اعترضت على هذا الأمر، وأشرت إلى الشركة بأن توظيفي كان بناء على معرفتي باللغة العربية، وأنه تم إرسالي إلى بلاد فارس حيث لا يجري الحديث باللغة العربية، أرسلتني الشركة، في سبيل إرضائي، في رحلة قصيرة إلى أجزاء من العالم العربي:

العراق والكويت والبحرين والسعودية. ولقد بعثت تلك التجربة السرور في نفسي، حيث التقيت في بعض من هذه الدول ببعض الأشخاص الذين كنت أعرفهم، وهم أساسا طلبة سابقون في جامعة فؤاد الأول. وبعد عودتي إلى لندن، وجدت نفسي مجددا وقد تمت إقالتي من العمل من قبل الشركة. وعندما لم اجد طريقة أخرى لكسب رزقي، بدأت في العمل مترجماً للغة العربية.

ولاسيما لمؤسسات قانونية كانت تمتلك وثائق بالعربية للترجمة. ومن هناك، وبعد ان أنشأت شركة تدعى «خدمات ومبيعات الشرق الأوسط» غامرت بالدخول إلى حقل إصدار مجلة أدبية باللغة العربية، تحت مسمى «أصوات»، ومن ثم برنامج للتلفزيون أسميته «أضواء وأصوات». وكذلك، قمت بدور المترجم لكل من يرغب في زيارة العالم العربي والقيام بأنشطة أعمال في ربوعه.

وجاء اليوم الذي أصبحت فيه اشعر بالضجر من الحياة في لندن، على الرغم من أنني كنت محظوظا بالعيش وامتلاك مكتب في وسط المدينة، ووصلت إلى مرحلة من الكآبة دفعتني لاستشارة طبيبي، الذي كان أيضا صديقا، عما يفترض أن أقوم به، إذ وصلت، على سبيل المثال، إلى مرحلة أصبحت فيها غير قادر على الاستيقاظ في الصباح والذهاب إلى مكتبي.

وطبيبي، الذي كان رجلا على قدر من الأمانة والصراحة، كان قد عالج أيضا الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، الذي كان يعاني من مرض عضال، وصديقي العراقي يحيى الثنيان، الذي تعرض لتعذيب رهيب على يد رجال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وتعامل معهما بمنتهى الصراحة، حيث قال لهما إنه لا يوجد ما يمكن القيام به، باستثناء المضي بحياتهما على افضل نحو ممكن.

أما بالنسبة لي، فقد طرح عليَّ خيارات عدة: الخضوع لعلاج بالصدمات الكهربائية، التي لم يشجعني عليها، أو الذهاب إلى طبيب اختصاصي أخضع لجلسات معه اتحدث فيها عما أعانيه، وهذا ما لم ينصحني به أيضا، أو أن أغير حياتي كلية. لكن كيف يتسنى لي تغيير حياتي، في الوقت الذي كنت قد أنشأت مكتبا في لندن، وأقيم في شقة في حي «ماي فير»؟

لكن لا احد يدري ما ينتظره وراء الأكمة، فقد تلقيت بعد ذلك اتصالا هاتفيا من صديقي الأديب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، الذي قال لي إنه في طريقه إلى لندن لإلقاء محاضرة في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية، وإنه يسره حضوري تلك المناسبة.

ولم اكن في مزاج يسمح لي بالاختلاط بالناس، إلا انني شهدت المحاضرة، وقد منحت مكان الشرف في الصف الأمامي. وبعد انتهاء المحاضرة، ولدهشتي الشديدة، طلب مني جبرا إلقاء خطاب قصير حول حركة الترجمة، التي بدأت بترجمة كتابات حديثة باللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية.

وفيما أنا أتحدث عن هذا الموضوع، لاحظت أمامي وجود صديقي القديم ـ من أيام قطر ـ جاك بريغز. ولقد توجهنا ثلاثتنا، أنا وجاك وجبرا فيما بعد، لتناول العشاء سويا.

وهذا العشاء تبين أنه سيغير مجرى حياتي. فقد ذكر جاك أمامي خلاله أنه يعمل رئيسا للشرطة في دبي، وأشار إلى أن اسمي قد ذكر خلال عشاء، منذ مدة في دبي، لشغل وظيفة، وكما يبدو كانت دبي في حاجة إلى شخص لتولي مسؤولية الإذاعة المعروفة بـ «صوت الساحل». وعلى ما يبدو، فقد قال جاك لهم إنني غير موجود لشغل الوظيفة، وإنه اصبح لدي مكتب ترجمة في لندن وبت منخرطا كليا هناك. فذكرت له انني متشوق للخروج من لندن وترك كل شيء ورائي، وانه يسعدني كثيرا القبول بالوظيفة المتاحة في دبي.

وعلى الرغم من تحذير جاك بريغز لي، من أن الراتب ليس مرتفعا، إلا انني كررت عليه قولي، إنني سأكون في منتهى السعادة لتولي مسؤولية إذاعة «صوت الساحل»، وهذا ما حصل بعد سلسلة من المقابلات مع أناس في وزارة الخارجية البريطانية.

وعرض علي منصب السكرتير الأول في دبي، غير أنني كنت متصلبا في رأيي، وأكدت أنني لست على استعداد للقيام بأي مهام أخرى، غير وظيفة مدير لمحطة الإذاعة.