نفق الدنيا لابد لنا وأن نجتازه شئنا أم أبينا، فلا نملك من أمرنا شيئا، سواء في الهبوط أوالصعود، في الأفراح والأتراح، الأعباء والهموم، وكذا الطموحات والإحباطات. جميعها وأكثر، ما هي إلاّ مفردات نحاط بها في عالمنا، نحلم بها ونسير بها، فإذا خف الحمّل انطلقنا، وإذا ثقل وأصبح فوق احتمالنا، ما علينا إلاّ أن نلجأ إلى بعض الجنون وننغمس في عوالم تفكير وشعور هستيريين، ذلك كي نكون أكثر عقلانية.
يعد مسمى «هيستيريا»، اسما للجنون الذي يرتضيه الإنسان ليعيش بتعقل، وأيضاً هو اسم مرض عضال من أمراض الأعصاب، ولكن البعد الهزلي فيه هو الجنون من أجل معايشة الظروف الصعبة، كل الظروف التي تخرج عن المألوف الذي يحتمله الإنسان المتوازن، وربما يعتبر فيلم «هيستيريا» الذي يُعد من كلاسيكيات السينما المصرية للفنان المصري الراحل أحمد زكي، جسد مفهوم الجنون بصنفه الخاص :«الهستيريا» الذي يلجأ إليه الإنسان، فقط ليحيا في عالم ضاغط على كل من فيه.
جسد أحمد زكي في الفيلم مفهوم ومنحى الهستيريا الدافعة نحو تجاوز الإحباطات، من خلال لعبه دور شاب تخرّج من المعهد العالي للموسيقى العربية، ولكنه لم يجد أية فرصة عمل، فتجاوز إحباطاته وجنح نحو الجنون الإيجابي، ليجد البديل فأخذ يغني مع صديق له في مترو الأنفاق، ومن ناحية أخرى، يحاول أن يعول أسرته ويجد الحلول لشقيقته التي تجاوزت سن الزواج بسبب ضيق الحال، وأيضا لشقيقه.
وكان مشهد القمة في الفيلم مجسدا بوضوح تام، في لقاء الشقيقين وتقابل الجنون العاقل مع الجنون الجامح، وأخذ كل من الشقيقين يعرض وجهة نظره في أسى وعتاب، على عالم لابد معه وأن نتجاوز عقولنا.
مفهوم
ولكن ماذا عن مضمون ومكمن عوالم هذه الظاهرة النفسية والعقلية المعروفـــة باسم «هيستيريا» ؟ وما هي طبيعة هذه الظاهرة، وكيف يخرج العقل في كل إعجازه عن المألوف والمعتاد، ليحول صاحبه إلى لعبة عاجزة عن مواصلة السير حتى نهاية النفق.. نفـــق الدنيا الذي لابـــد لنا من أن نحيــــاه ما دمنا بشرا ليس أكثر؟
تعد الهستيريـــا مرضا عصابيا، ويعــــرف علمياً باسم «اضطراب التحول»، ويحدث فيه تغيير في الوظيفة الجسمانية الناتجة من صراع نفسي حاد، وهذا التغــيير في الوظيفــــة الجسمانية لا يفسره مرض عضوي طبي، أو آليـــة "باتوفسيولوجية". ومرضى هذا الاضطراب لا يشعرون ولا يعون الأساس النفسي لأعراضهم.
ولا يمكنهم التحكم بإرادتهـــم، فيمكن لشخص أن يصاب باحتباس الصوت عقب صدمة نفسيـــة أو عصبيـــة فوق قدرة تحمله مثل فقدان عزيز عليه أو التعـــرض لموقف صعب، مثل حادث مروري، أو التعرض لسرقة أو اغتصاب، فلا يتمكن من الكلام، ذلك من هوْل الصدمة، وعــلى الرغم من عدم وجــــــود أي مرض عضوي في أحباله الصوتيــة، أو قصـــور في مراكـــز الكلام في المــــــخ.
ولكن ينتج عدم القدرة على الكـــلام بسبب الصـــراع النفسي الشديد في تلك اللحظات الحادة التي تعرض لها، ومـــن ثم أدت إلى احتبــــاس صوته، وهو ما يعرف طبعاً باسم "أفونيا"، وهناك أعراض كثيرة تأخذ الشكل العضـــوي، ولكنها تكون بسبب أزمة نفسيـــة رهيبــة لا يحتملها العقل، فيحـــدث تنفيس في أحد أماكــــن بالجسم.
وهو ما عكس عجزاً عضوياً، مثل السيدة التي ترغب وبشدة في الحمل، فيحدث لها ما يعـــرف باسم الحمل الكـــاذب، وتقــــع أعراض الحمل الطبيعية جميعهـــا مع غياب الحمل، أيضـــاً هناك عرض حاد هو العمى الناجم عن صدمة نفسيـة وعصبيــــة تتحول في التوْ واللحظـــة إلى فقدان البصر، من دون أي خــــلل في مراكــــز الرؤيـــــة بالدماغ، ولا يوجد أي خلل أيضاً في وظائف العين.
حيلة الجنون
الشلل ونوبات التشنج أعراض جسدية ناجمة عن مواقف يصعب على الإنسان تحملها نفسياً وعصبياً، فتأخذ الأعراض العضوية كنوع من المتنفس الطبيعي، وهو ما يحوله المخ إلى الأعضاء. وربما من هنا تأتي فكرة الجنون أو الهيستريا الإيجابية التي يتحايل بها الإنسان على ظروفه وإحباطاته التي لا تنتهي، وهنا يوصف الشخص بقمة التعقل عندما يلجأ إلى تفسير متاعبه ببعض التعامل معها بجنون واعٍ ومتعقل.
وحيلة الجنون هذه هي مقابلة الواقع المجنون الضاغط بجنون مثله لتتوازن الأمور الحياتية وتستقر النفسية بين الضلوع في سكون وسيمفونية متناغمة، وقد عبّر الفيلم المصري «على جنب يا أسطى"، ببراعة وببساطة أيضاً عن هذا المفهوم، خاصة في الأغنية التي انتهى بها الفيلم، والتي تقول في مطلعها: «هي دنيا وما تسواشي.. ناس رايحة وناس جايا».
يصور الفيلم وقائع الاحداث في منحى كأن الأمور قد انفلتت.. وتسارعت وخرجت عن المألوف، فسائق التاكسي «أشرف عبد الباقي»، يحتاج لبعض من الجنون الإيجابي كي يتمكن من مسايرة الناس والدنيا وأسرته معاً، خاصة وأنه توهم وقوعه في حب إحدى الراكبات في التاكسي، ولكنه يبدو فعليا انه الوهم بعينه!
..التحويلية
إن الهستيريا التحويلية، كما عرّفها أبقراط، هي اضطراب عصبي يظهر خاصة عند النساء ذوات الشعور المرهف، واللاتي يصعب عليهن مواجهة الشدائد، أما في القرون الوسطى فكانت أعراض الهستيريا التحويلية تعتبر من الجنون الذي يعالج بعزل المريض عن أحداث وتضارب المجتمع بكل سلبياته. والعزل هنا يأتي بأفضل النتائج، حيث تتسرب كل السلبيات من الإنسان الهستيري.
ويعتبر الطبيب الفرنسي بيار جان، المتخصص في الأمراض النفسية والعصبية، مكتشف منطقة اللاشعور في دماغ الإنسان، والذي اعتمد على النظريات العضوية وعرّف الهستيريا بأنها تضعف الضغط النفسي الناتج عن الصدمات الانفعالية والذكريات الصادمة.
وهناك ما يعرف باسم «الهستيريا الجماعية» التي تصيب مجتمعاً بحاله، بسبب انفجار ثورات عشوائية وفوضى عارمة معها يغيب الرادع، فيحدث انفلات يصيب المجتمع كله أو معظمه بنوع من مشاعر الخوف وعدم الأمان وشعور الفرد بالتضاؤل أمام الأحداث الجسام من حوله.
والهستيريا الجماعية أيضاً تصيب مجموعة هائلة من أفراد مجتمع ما، بالخروج عن المألوف لتحقيق أهدافها ورغباتها فيفقد المجتمع أو جزء منه التحكم في الأفعال. وبالتالي تكون ردود أفعاله تجاه الآخر غير محسوبة وغير متوقعة، ويُعرّف علم الاجتماع هذه الفوضى العشوائية باسم الهستيريا الجماعية التي غالباً ما يصعب السيطرة عليها، فتزداد الفوضى، وتدخل المجتمعات إلى دائرة هائلة من الفوضى، فيغيب صوت العقل والضمير، وتتحدد معالم هذا الاضطراب من خلال المنظومة الثقافية لهذه المجاميع الهيستيرية داخل المجتمع.
أدب وهيستيريا
إن الهستيريا أو الجنون الهيستيري العاقل، لابد لهما من انعكاسات على الأدب والفن التشكيلي والحياة الفنية، مثلما عكس فيلم «هيستيريا» هذا المفهوم، بالنسبة للأدب، تجسد هذا المفهوم الهيستيري لدمى نجيب محفوظ في مجموعة قصصية له بعنوان: «همس الجنون» وهي مكونة من 28 قصة، وتتناول مواقف مختلفة لأبطالها تنتج عن هذه المواقف الحالة النفسية التي تضمنتها القصة أو المجموعة القصصية كلها.
وتتنوع هذه القصص، ما بين القصة الواقعية والخيالية، والقصة التاريخية والمعاصرة، وبين القصة الرومانسية والقصة ذات الطابع الديني.
فقصة «همس الجنون» تجسد مفهوم الهستيريا الذي فرضته الوحدة التي يعيش فيها بطل القصة، وهي حالة من الوحدة والصمت لسنين طويلة أدت إلى ظهور ما يعرف باسم «اليقظة الجنونية»، فخرج البطل عن صمته ووحدته إلى التمرد على نفسه وعلى أحواله وعلى كل من حوله، حتى تمرد على شكله وملابسه وطريقة حياته، ولكن كل هذا لم يجد نفعا، فوجد نفسه في وحدة وصمت، ولكن بقليل من الجنون توازنت حياته.
..في الفنون التشكيلية
يعتبر الفنان عبد الهادي الجــزار، ثروة فنيـــة من الزمن الجميل، على الرغم من حياته الفنية القصيرة التي لم تتجاوز العشرين عاماً، إلاّ أن ما أبدعه وأنجــزه يتجاوز كـــل التوقعـــات، حتى وإن كـــان مداراً للكثير من الأطروحات الجامعية والدراسات النقدية التي تناولت أعماله الفنية بالتحليل والنقد الإبداعي، والذي غير وأثرى مسار الحركة الفنية التشكيليــــة، متأثراً بما يحـــدث في العالم من حوله، ومتخذاً مواصفات شديدة الخصوصية للوحاته تؤكد المعنى الذي ظل يشغله طوال حياته، وهو السر الخفي والعميق عن معنى الحياة ومعنى الموت.
ومن أشهر لوحاته: «الوجبة» التي اعتقل بسببها، لأنها توحي بإيحاءات تمرد وثورة، ولم يخـــرج من المعتقـــل إلاّ بعد أن توسط له الفنان محمود سعيد ومحمد ناجي.
وتعتبر الحركة السيريالية في الفن، والتي عملت على مبدأ البحث عن تفسير مختلف لهذا الوجود في تجاوز التناقضات، ويرى السيرياليون في مسألة الخيال الجامح دعاتهم، ويصفهم النقاد بأن أعمالهم هي انعكاس لهيستيريا الفكر الفني الذي أرسى دعائمه رائد السيريالية سيلفادور دالي، هذا الفنان الذي سيبقى اسمه مرتبطاً بالسيريالية المنفلتــة من أي قيود فنية أو قيود واقعية، والتي أوصلت كل أعماله إلى برجها العاجي وعمل لها متحفاً ومدرسة فنية على نمط مذهب الرؤيا العميقة، وهي تتفتح رؤياه وهو مغمض العينين، فيكشف الغطاء الآخر عن وجه الحقيقة، فظل يرسم حتى وهو على فراش الموت.
والهستيريا التي تتجــاوز الصعاب يكــون فيهـــا الإنسان دائماً الأقوى والمسيطر الـــذي يخضع الصعاب لبعض الجنون، هكذا عبّر الفنان الراحل أحمد زكي، في ختام فيلـــم هيستيريـــا، في أغنيـــة لخصت فكرة هيستيريا، ويقول فيها: "إن ما عرفتش تضحك