أقمشة الحرير، الخيوط الذهبية والفضية، تفاصيل أساسية في الأزياء الشعبية الإماراتية، أو الأزياء التراثية، كما يفضل البعض تسميتها. ورغم العولمة التي تكتسح كل المجالات.

وتلغي التفاصيل الدقيقة التي تميز الشعوب، تحاول مصممات الأزياء الإماراتيات، المحافظة على بعض الأساسيات التي ميزت الثوب الإماراتي، حتى، وإن خرجن في الكثير من الأحيان، سمات الخصوصية كي يواكبن العالمية، لكن تبقى تلك اللمسة المحلية، ممزوجة بما هو عالمي، بهدف أن تتقبل المرأة التي تواكب عصرها بكل شييء، ذلك المميز القديم، ولكن بطريقة مبتكرة.

جميع الأزياء الشعبية في العالم مرت بمراحل من التطور والتغييرات والتمازج، ولكنها في النهاية حافظت على جزء، ولو بسيط، من الخصوصية.

 

تطريز التلي

قبل الإطلاع على التفاصيل التي احتفظت بها المصممات الإماراتيات، رغم مواكبتهن الموضة الحديثة، لا بد من معرفة أهم التفاصيل التي ميزت الثوب الإماراتي، وأشهر أنواعها التطريز المحلي بأنواعه، ومن أهمها ما يطلق عليه "التلي" الذي زين الملابس الإماراتية لفترة طويلة، وللتلي طريقة فنية خاصة في صنعه.

وذلك عبر آلة حياكة لا تزال يدوية، ويمكن مشاهدتها إلى الآن، في العديد من الأماكن التي تحفظ التراث، مثل: نادي تراث الإمارات، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، الاتحاد النسائي العام، وهو ما يشد السياح من كل العالم، وتسمى هذه الآلة "الكاجوجة"، والتي تعتبر أهم أداة في حياكة خيوط "التلي"، ذلك كونها الأداة الرئيسة في التطريز.

وهي تتألف من قاعدة معدنية لها قمعان ملتصقان، وتضم حلقتين، ويوجد فيها على إحدى القواعد أدوات تثبيت وسادة من القطن، وهي بيضاوية الشكل، وتلف عليها الخيوط، ومن "الدحاري"، أي بكرات الخيوط المستخدمة، إذ يتم صفها حسب نوع وحجم التطريز المراد صنعه، وهناك الإبر لتثبيت التلي الموضوع على "الموسدة" أي "الوسادة"، وكلما زاد عدد البكرات في المجسم الهدية، يعني أن التلي ينسج شريط تطريز، عريضاً وطويلًا.

وتستعمل في تطريز هذا النوع مختلف المواد الفاخرة، مثل: خيوط الذهب، خيوط الفضة، الخيوط الذهبية والفضية الصناعية، خيوط الحرير والقطن الملونة. وكل منها يستخدم لأغراض معنية، ومنها: ارتدائها خارج المنزل (في الحفلات والزيارات)، الصلاة، المناسبات. ولكل نوع اسم أو اصطلاح معين، وذلك، إما لزخرفتها أو لطريقة لبسها أو نوعية قماشها.

ويلي التلي شهرة الزري، والذي هو عبارة عن خيوط من الحرير الأصفر اللماع، وتحلى به الملابس، ويعتقد أن التسمية فارسية، وهي مشتقة من كلمة "زر"، وتعني الذهب، وكانت تطرز الملابس بالزري ويقال عنه: "ثوب مزراي".

وتعد صناعة التلي والزري، من المهن النسائية المهمة، والتي ظلت تمارسها نساء الإمارات، منذ فترة طويلة، وبقين يحرصن على تعليمها للبنات، وقد لاقت هذه الحرفة رواجاً كبيراً خلال الستينات والسبعينات، من القرن الماضي.

حيث توفرت للنساء مبالغ مالية أكثر، لتصرف على تزيين الملابس، وحرصت السيدات الإماراتيات على تطريز ملابسهن بالتلي، وذلك عند الصدر والرقبة، وعند الرسغين. وما زال الطلب يزداد اليوم على التلي والزري، قبيل الأعياد وفي موسم أفراح الزواج في الصيف، إذ تحرص النساء على شراء التلي لتزيين ملابسهن.

 

قطع الزي الإماراتي

تعتبر الكندورة العربية، من أهم القطع الإماراتية، وهي فستان يحاك من جميع أنواع القماش، ويتميز بخيوط التلي الذهبية أو المطرزة على أكمام اليدين والرقبة، ما يضفي عليها لمعاناً وبريقاً، يزيد من أناقة المرأة وجاذبيتها. وأما الثوب فهو عبارة عن القطعة الثانية التي ترتديها المرأة فوق الكندورة، وتستخدم في صنعه أنواع عديدة من الأقمشة، وهو مستطيل الشكل تحاك خيوطه من الجانبين، بحيث تترك فتحتان طويلتان لليدين، وفتحة واسعة للرقبة. وقد تضاف إليه قطعة من الخلف تسمى الذيل. والسروال أو البادلة وهو أشبه بالبنطلون، ولكنه أوسع وفضفاض.

والجزء الأسفل منه مزين بتطريز جذاب من التلي. وأما الشيلة فهي عبارة عن قطعة من القماش، سوداء اللون. ويطلق عليها: (الوقاية)، وكانت الشيلة في الماضي كبيرة، حيث يبلغ طولها مترين وبعرض متر واحد، وتضعها المرأة على رأسها وقت الخروج من المنزل، إذ تغطي وجهها بالشيلة قبل أن ترتدي العباءة. وهناك أربعة أنواع للشيلة هي: الساري، والسمة، والغيل، والتورة.

وأما العباءة السويعية، فهي العباءة التي تلبسها المرأة عند الخروج، وكانت تصنع من الحرير أو الصوف، وتلك العباءة المزينة بالزري، هي عبارة أيضاً عن رداء طويل فضفاض، والغرض منه عدم إبداء ملامح الجسم، وكانت تستورد من الكويت والبحرين والسعودية.

 

إحياء التراث

كرست مصممة الأزياء إيمان بريسم، تجربتها للحفاظ على الثوب التراثي، كما قالت، وأضافت في هذا الصدد: "هدفي في كل تصميم أضعه، أن أبرز التراث الإماراتي، من طريقة القصة المتبعة قديماً في الفستان أو الجلابية، واعتني بشكل خاص في التصميم بمعايير الحشمة التي تتميز بها الملابس الخليجية، وكذلك إلى اللمسات المحلية من خلال التلي والذي أضع بينه عدداً من الفصوص، مما يحافظ على اللمسة التراثية، ممزوجة بالحداثة.

وعن الهدف من كل هذا، قالت بريسم: "أرمي إلى أن ألفت نظر الشابات الإماراتيات، من أجل أن يتقبلن ملابسنا التقليدية، خاصة وأن 70 بالمائة من الشابات لا يقبلن بملابسنا المحلية، ولهذا بدأت أطرح مجموعة من القمصان الطويلة يوجد عليها تلي أو "زري" أو"المخور"، والأخير هو نوع من التطريز بألوان الثوب، بعد أن كان التطريز بلونين فقط، وهما: الفضي والذهبي".

لم تقتصر تصاميم إيمان بريسم، على الكبار بل اعتنت في وضع الكثير من التصاميم للأطفال، وقالت في هذا الخصوص:

"إن الخيارات المطروحة في السوق هي الزي الغربي، وهو ما دفعني إلى أن أطرح العديد من الأزياء، التي هي للأطفال الذين تصل أعمارهم إلى الثلاث سنوات. كما طرحت أخيراً أزياء للمواليد الجدد". وعن ميزات هذه الأنواع من الثياب، قالت إيمان بريسم: تحمل تلك التطريزات المحلية مثل التلي والزري، عدة سمات نوعية، وأنا أعتمد في هذا السياق، على الأقطان: قماش "وير": قماش بارد وصحي، ويناسب الأطفال والمواليد".

وتابعت إيمان بريسم، متطرقة إلى ماهية إبراز أهمية الملابس التقليدية التي قدمتها في الكثير من الأماكن: توجد الأزياء التي صممتها في معرض دائم في الاتحاد النسائي العام، كما كنت أعرض دوماً، تحت مسمى: "صنع في الإمارات"، وذلك في فندق الهيلتون في أبوظبي.

 

ال«هوت كوتور»صص

"أقدم في عروض الأزياء، تنويعات من قطع اللباس التقليدي التي تعد من بين أبرز مفردات مضمون التراث، وذلك بهدف ترسيخ الهوية الوطنية". هذا ما أكدته مصممة الأزياء، منى المنصوري، في حديثها عن فنون تصاميم تجديد الأزياء التقليدية للمرأة الإماراتية. وأضافت: "هذا ما يدفع الجيل الجديد إلى المقارنة بين ما كنا عليه وما وصلنا إليه. فأحياناً أعرض فستان حناء، أو أحافظ في الأزياء التي أصممها على الألوان، أو القصات".

حتى حين تخرج المنصوري من القطع التراثية في تصاميم الثياب، فهي تمزج بين الحديث والقديم. وتقول في هذا الصدد: "أصمم، أحياناً، فساتين الـ"هوت كوتور"، وأضع فيها التلي الذي يصنع من الحرير والفضة، وذلك بواسطة (الكاجوجة)، وهو يوضع عادة على العباءات والسراويل".

لم تقتصر المنصوري على هذا، بل استخدمت أحياناً العديد من الأقمشة التي استخدمها الأجداد، وقالت في هذا الشان: "هناك أنواع من الأقمشة استخدمت قديماً، مثل ما يطلق عليه "أبوطير" أو "المغندة"، وهذه الأخيرة عبارة عن "تول" توضع على الرأس في المناسبات. ويختلف تصميمها باختلاف المناسبة، فمثلًا عندما تضعها العروس، فهي تصنع من الدانتيل وتطرز بخيوط من الفضة، أو معدن القصدير. ويعود هذا تبعاً للحالة المادية".

وتصر المنصوري، في معظم عروضها، على تصميم "فستان حنة". وتشرح حول ذلك:" إن هذا الفستان عادة ما تلبسه العروس، في يوم حنتها، وكانت في الماضي تلبسه بلونه الأخضر، ولكنني فضلت أن أدخل عليه الأحمر، أو مزجت أحياناً بين الفوشي والأخضر.. ويتميز هذا الفستان، بالتطريز الكثير و"الشك"، وأيضاً القصات التي يجب أن تكون مريحة، بحيث تسهل حركة العروس وهي تتسامر مع صديقاتها".

 

حداثة وأصالة

بقيت مصممة الأزياء هنادي البدو، التي كثيراً ما وضعت تصاميم عباءات بأسلوب يحاكي ملامح الحداثة، تحافظ على بعض الأساسيات التي تناسب المجتمع الإماراتي. وقالت في هذا الشان: "إن الحشمة أهم ما يميز تصاميمي، إذ أحرص في العباءات التي أضع تصميمها، على أن لا تكون قصيرة أو تبدو بلا أكمام، حتى ولو اتسمت هذه العباءات بالحداثة.

. وإذا قررت وضع تطريز معين، فإني استخدم "التلي" الذي يعتبر من أهم التطريزات التراثية. وأنا أحرص على ان استخدم فيه الخيوط المذهبة، والتي قد استخدمها أيضاً في العديد من التطريزات اليدوية، أو تلك التي استعين فيها بالماكينة".

ومن جهتها، أشارت المصممة فريال البستكي، في مستهل حديثها، إلى ان كل قطعة تصممها لا تخرج فيها عن مكنون التراث الإماراتي، سواء من ناحية الألوان الجريئة القوية، أو الأحجار التي تضعها في الفساتين. وأضافت: "أحياناً أستخدم التطريز اليدوي، في التصاميم التي أنجزها، ذلك بواسطة الخوص، أي "الخيط الذهبي"، فأدمجه مع النمط الغربي، وهو ما يوصلني إلى نموذج قطعة مبتكرة تجمع بين النمط المحلي وما هو مستحدث".

 

منتوجات تراثية

تساهم كل إمارات الدولة في الحفاظ على الخصوصية التي ميزت أزياء المــرأة الإمــاراتية، في شتى مناطق وإمارات ومدن الدولة، طوال سنين طويلة، ويُقدم في هذا الخصوص العديد من الورشات التدريبية، مثل: ورشة "قرض البراقع" والذي يعد لباساً، كان ولا يــزال بعض النساء ترتديه.

ويغطي البرقع الوجه، باستثناء العينين وفوق الحاجب والذقن. كما ينظم وبشكل دوري، ملتقى الحرف الإماراتية، في مركز الحرف الإماراتية في الشارقة. وهناك أيضاً بعض الملتقيات، بعنوان: "الأزياء التراثية الرموز والدلالات"، وهي تقام بمشاركة عدد من المتخصصين في مجال الحرف والصناعات الشعبيـــة، لتشجيـــع الجيل الجديد من الفنانين والمبدعين، ودفعه للاستفادة من القطع والنقوش التراثية للملابس الشعبية قديماً، وخلق إبداعات جديدة تتواصل فيها عمليات إحياء تلك النقوش والتصميمات القديمة، لإبداع الكثير من القطع التي يجتمـــع فيهــا القديم والحديث.

كما عمل "صندوق خليفة لتطوير المشاريع"، على المشاركة في فعاليات المعرض الدولي للصيد والفروسية، غاية تسويق المنتجات الحرفية المستمدة من التراث الإماراتي، في جناحه "صوغة"، وعرض فيه، مجموعة من المنتجات التراثية والمشغولات اليدوية التي أنتجها، وتلقت مجموعة من المواطنات (نحو 200 مواطنة)، التدريبات اللازمة لإنتاج السدو والتلي والمنسوجات التي تحافظ على الهوية الوطنية، والتي باتت تحظى بشعبية وإقبال مهمين من السياح، والذين غالباً ما يقتنون هذه القطع ويحملونها إلى بلادهم، كمنتج يميز تراث الإمارات.